مكاشفة
لما تقرر ان جميع مراتب الموجودات روحا وجسما عقلا وحسا بجميع الألسنة قولا وفعلا وحالا، يحمدونه تعالى، ويسبحونه ويمجدونه في الدنيا والآخرة بحسب الفطرة الأصلية، ومقتضى الداعية الذاتية، ولا شك ان لكل فعل غريزي غاية ذاتية وباعثا أصليا، وقد تقرر ان ذاته تعالى غاية الغايات ونهاية الرغبات، فعلى هذا قوله: الحمد لله، يمكن أن يكون إشارة إلى مبدأ الوجود وغايته، سواء كانت اللام في " الله " للغاية أو للاختصاص، فمعناه على الأول: أن حقيقة الوجود وجنسه، إذا كان التعريف في الحمد للجنس، أو الوجود كله، إذا كان للاستغراق - كما قيل - لأجل استكمالها بمعرفته تعالى ووصولها إليه.
ومعناه على الثاني: ان حقيقة الوجود، أو جميع أفراده لله تعالى، وإذا كانت هي له تعالى كان هو تعالى لها أيضا، لقوله (صلى الله عليه وآله): من كان لله كان الله له، فذاته تعالى علة تمامية كل شيء، وغاية كمال كل موجود، إما بلا واسطة، كما للحقيقة المحمدية التي هي صورة نظام العالم وأصله ومنشأه، وإما بواسطة فيضه الأقدس، ووجوده المقدس، كما لسائر الموجودات. وفيه سر الشفاعة ولواء الحمد.
قوله جل اسمه:
{ رب العالمين }
الرب: إما صفة، وإما مصدر وصف به مبالغة كالعدل. سمي به السيد المطاع كقول لبيد: وأهلكن يوما رب كندة وابنه. أي سيد كندة. والمالك كقوله (صلى الله عليه وآله) لرجل: أرب غنم أنت أم رب إبل؟ فقال: من كل ما آتاني الله فأكثر وأطيب، والصاحب كقول أبي ذؤيب:
قد ناله رب الكلاب بكفه
بيض رهاب ريشهن مقرع
أي صاحب الكلاب. وغير ذلك.
واشتقاقه من " التربية " وهي: تبليغ الشيء إلى كماله تدريجا ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيدا، كقولهم: رب الدار، ورب الناقة. وقول الإشراقيين للصورة المفارقة للطبائع الجسمانية رب النوع. وقوله تعالى:
Bilinmeyen sayfa