362

Tebsire

التبصرة

Yayıncı

دار الكتب العلمية

Baskı

الأولى

Yayın Yılı

١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م

Yayın Yeri

بيروت - لبنان

Bölgeler
Irak
İmparatorluklar & Dönemler
Abbâsîler
شَبَابَكَ وَرَفَضْتَ لَذَّاتِ الدُّنْيَا فِي أَيَّامِ حَيَاتِكَ، فَلَوْ تَمَتَّعْتَ بِي. فَمَالَ إِلَى قَوْلِهَا وَتَرَكَ التعبد واشتغل بفنون الليذات، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَخًا لَهُ كَانَ يُوَافِقُهُ فِي الْعِبَادَةِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. من الناصح الشفيق والطيب الرفيق، إلى مَنْ سُلِبَ حَلاوَةَ الذِّكْرِ وَالتَّلَذُّذَ بِالْقُرْآنِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ قَيْنَةً بِعْتَ بِهَا حَظَّكَ مِنَ الآخِرَةِ، فَإِنْ كُنْتَ بِعْتَ الْجَزِيلَ بِالْقَلِيلِ وَالْقُرْآنَ بِالْقِيَانِ فَإِنِّي مُحَذِّرُكَ هَاذِمَ اللَّذَّاتِ وَمُنَغِّصَ الشَّهَوَاتِ، فَكَأَنَّهُ قَدْ جَاءَكَ عَلَى غِرَّةٍ فَأَبْكَمَ مِنْكَ اللسان وهدمتك الأركان وقرب
منك الأكفان، واحتوشك مِنْ بَيْنِ الأَهْلِ وَالْجِيرَانِ، وَأُحَذِّرُكَ مِنَ الصَّيْحَةِ إذا جئت الأُمَمُ لِمَلِكٍ جَبَّارٍ.
ثُمَّ طَوَى الْكِتَابَ وَبَعَثَهُ إِلَيْهِ، فَوَافَاهُ وَهُوَ عَلَى مَجْلِسِ سُرُورِهِ، فَأَذْهَلَهُ وَأَغَصَّهُ بِرِيقِهِ، فَنَهَضَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَعَادَ إِلَى اجْتِهَادِهِ حَتَّى مَاتَ.
قَالَ الَّذِي وَعَظَهُ: فَرَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ ثَلاثٍ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ:
(اللَّهُ عَوَّضَنِي ذُو الْعَرْشِ جَارِيَةً ... حَوْرَاءَ تَسْقِينِي طَوْرًا وَتُهْنِينِي)
(تَقُولُ لِي اشْرَبْ بِمَا قَدْ كُنْتَ تَأْمُلُنِي ... وَقَرَّ عَيْنًا مَعَ الْوِلْدَانِ وَالْعِينِ)
(يَا مَنْ تَخَلَّى عَنِ الدُّنْيَا وَأَزْعَجَهُ ... عَنِ الْخَطَايَا وَعِيدٌ فِي الطَّوَاسِينِ)
يَا وَيْحَ عَزِيمَةٍ نُقِضَتْ بِالْهَوَى عُهُودُهَا، تَرَقَّتْ فِي دَرَجَاتِ الْعُلا ثُمَّ انْعَكَسَ صُعُودُهَا؛ بَيْنَمَا ثَمَرُهَا الْجَدُّ يَبِسَ عُودُهَا، لَقَدْ سَوَّدْتَ الصَّحَائِفَ فِي طَلَبِ مَا لا تُصَادِفُ، مَتَى تَذْكُرُ الْمَتَالِفَ، إِلَى كَمْ وَكَمْ تُخَالِفُ، كَمْ طَوَى الدَّهْرُ مِنْ طَوَائِفَ، إِنَّمَا يَسْلَمُ فِي الشِّدَّةِ مَنْ هُوَ فِي الرَّجَاءِ خَائِفٌ، إِلَى مَتَى تُضَيِّعُ الْوَقْتَ الشَّرِيفَ، وَتُعْرِضُ عَنِ الإِنْذَارِ وَالتَّخْوِيفِ، وَتَبِيعُ أَفْضَلَ الأَشْيَاءِ بِقَدْرٍ طَفِيفٍ، وَتُؤْثِرُ الْفَانِيَ عَلَى الْبَاقِي وَهَذَا الرَّأْيَ السَّخِيفَ، أَيْنَ لَذَّةُ فَرَحِكَ بَعْدَ تَرَحِكَ، وَأَيْنَ سُرُورُ مَرَحِكَ فِي مُجْتَرَحِكَ، إِنَّمَا الْعُمْرُ أَيَّامٌ مَعْدُودَةٌ، وَالسَّلامَةُ عَوَارٍ مردودة.

1 / 382