فجاءه صوته وهو يهمس في خور: أين كنت يا كمال؟ أين كنت حين وقعت الغارة؟
فقال يطمئنه: كنت على مقربة من القبو، كيف حالك؟
فأجاب بصوت متقطع: الله أعلم .. كيف غادرت فراشي وهرولت في الطريق؟ الله أعلم .. لم أشعر بشيء .. متى تعود الحال إلى الهدوء؟ - أأخلع لك جاكتتي لتجلس عليها؟ - كلا ، أنا قادر على الوقوف، ولكن متى تعود الحال إلى الهدوء؟ .. - الغارة انتهت فيما يبدو، أما قيامك المفاجئ فلا تخفه؛ إن المفاجآت كثيرا ما تصنع المعجزات مع المرض!
وما كاد ينتهي من قوله حتى زلزلت الأرض بثلاثة انفجارات متتابعة فثار جنون المدافع المضادة مرة أخرى، وضج القبو بالصراخ. - إنها فوق رءوسنا! - وحد الله .. - أسكتوا هذا الشؤم!
وترك كمال يد عائشة؛ ليأخذ يدي أبيه بين يديه، وكان يفعل ذلك لأول مرة في حياته، وكانت يدا الرجل ترتجفان، وكانت يدا كمال ترتجفان كذلك، أما أم حنفي فقد انبطحت على الأرض وهي تولول. وعاد الصوت العصبي يصيح في هياج: إياكم والصراخ، سأقتل الصارخ!
وعلا الصراخ، وتلاحقت طلقات المدافع، واشتد توتر الأعصاب في توقع زلازل جديدة، ولكن المدافع استمرت تنطلق وحدها، وظل توقع انفجارات جديدة يخنق الأرواح. - انتهت القنابل! - إنها تغيب ثم تنفجر .. - إنها بعيدة، لو كانت قريبة ما سلمت البيوت حولنا! - بل سقطت في النحاسين! - هكذا يخيل إليك ولعلها في الأورنس! - أنصتوا يا هوه، ألم تخف المدافع؟
بلى خفت طلقاتها، ثم لم تعد تسمع إلا من بعيد، ثم متقطعة ثم متباعدة، ثم بين الطلقة والأخرى دقيقة كاملة، ثم أناخ الصمت، وامتد، وطال وعمق، وانعقدت الألسن، حتى مضت تتعالى همسات الأمل الباكي، وأخذ كثيرون يتذكرون أشياء وأشياء، ويحيون من جديد، ويتنهدون في ارتياح حذر مشوب بالإشفاق. وعبثا حاول كمال أن يرى وجه أبيه بعد أن غابت التماعات الضوء الخاطف وخيم الظلام. - أبي، ستعود الحال إلى الهدوء ..
فلم يجب الرجل ولكنه حرك يديه بين يدي ابنه كأنما ليقنعه بأنه ما زال حيا .. - هل أنت بخير؟
فحرك يديه مرة أخرى. وشعر كمال بحزن أوشك أن يهيج دموعه.
وانطلقت صفارة الأمان.
Bilinmeyen sayfa