ولكن مراد بعد وفاة أبيه رأى أن يزرع الأرض جميعها بالموالح. وكان قد استطاع في أثناء أسفاره إلى الخارج أن يتعرف ببعض المستوردين، وكان يدري أيضا أنه لا يفهم شيئا في شئون الزراعة. كما أن مدني العمدة لا يجيد زراعة الموالح. وإن كان يجيد زراعة المحاصيل المألوفة من قطن إلى ذرة إلى قمح إلى شعير إلى برسيم، أما خارج هذه الحدود فلا يعرف شيئا.
وقد اتفق مراد مع أختيه بعد وفاة أبيهما أن يزرع أرضهما هما أيضا بالموالح ورحبت أختاه بما يريد.
وبهذا أصبحت المساحة التي سيزرعها جديرة بأن يشرف عليها مهندس زراعي من خريجي الزراعة العليا المتخصصين في الموالح، وكان يقدم له مرتبا ضخما لا يحلم به الخريج من أمثاله. فقد كان يدفع له مائة جنيه في الشهر مع نسبة 5٪ من الأرباح، وكان المهندس واسمه فؤاد برعي ماهرا كل المهارة في خبرته.
فما هي إلا سنوات حتى أصبح محصول الموالح في أرض مراد وأختيه مضرب الأمثال في الوفرة وامتياز الثمار في وقت معا مما شجعه على أن يسافر ويستفيد بصلاته السابقة في الأسفار، ويوقع العقود بالتصدير ويزيد ماله ويزيد. •••
وقد اختار الله أيضا الحاج دهشان إلى جواره بعد أن كان قد باع أرض نازلي جميعها لمشترين آخرين قبل موته بفترة طويلة.
وقد كان البيع لأنها وزوجها سيصبحان مخالفين لقوانين الإصلاح الزراعي. فلم يكن عجيبا أن يتغلب الحاج دهشان على تلك الصعوبة بأن يبيع الأرض للفلاحين ويقيم عمارة فاخرة بالقاهرة باسم ابنته، وطبعا كان مراد هو الذي يدير هذه العمارة.
وكان طبيعيا بعد قوانين الإسكان ألا يؤجر فيها شقة واحدة بإيجار عادي، وإنما أجر شققها جميعا إيجارا مفروشا حتى يستطيع أن يخرج السكان وقتما يشاء. وفي نفس الوقت أبقى شقتين متجاورتين بدون تأجير لتتصرف فيهما نازلي كما تشاء، أو لتقيم فيهما حين يذهب دياب إلى الجامعة.
وهكذا مات الحاج دهشان مطمئنا على ابنته.
أما آلة الطحين فقد ارتأى مراد بعد وفاة حميه أن يبيعها. - ما رأيك يا نازلي في ماكينة الطحين؟ - ما تراه يا مراد. - أنا أرى أنها تحتاج لوجود شخص مأمون إلى جوارها حتى تظل تنتج كما كانت تنتج أيام المرحوم الحاج. - فعلا. - والشخص المأمون لا يوجد في هذا الزمان. - فماذا ترى؟ - سأعرضها للبيع. - وما له؟ - أنا عندي فعلا توكيل، ولكن أردت أن أعرف رأيك. - الحقيقة أنك مع حبك للمال لا تبخل علي ولا على دياب، ثم إن حقي من العمارة يصلني على دائر المليم. فالذي تراه افعله.
وفعلا باع مراد ماكينة الطحين وقال لنازلي: ما رأيك نشتري بثمنها أرضا للبناء في القاهرة. - ما المناسبة؟ - تكون لدياب حين يكبر. - نحن عندنا شقتان في عمارة الدقي. - أعلم ولكن دياب سيتزوج في يوم من الأيام. - نخلي له شقة في عمارتنا. - ولماذا؟ - مع أزمة السكن الأرض ثمنها سيزيد. - اكتب الأرض باسم دياب مباشرة. - وهو كذلك.
Bilinmeyen sayfa