فهذه هى المذاهب المشهورة فى أمر النفس، وليس يصح منها إلا المذهب الأخير مما عد أولا، فلنبين صحته ثم لنقبل على حل الشبه التى أوردوها، فنقول قد بان مما ذكرناه أن الأفعال المتخالفة هى لقوى متخالفة وأن كل قوة من حيث هى فإنما هى كذلك من حيث يصدر عنها الفعل الأول الذى لها، فتكون القوة الغضبية لا تنفعل من اللذات ولا الشهوانية من المؤذيات ولا تكون القوة المدركة متأثرة مما تتأثر هاتان عنه، ولا شىء من هاتين من حيث هما قابل للصورة المدركة متصور لها، فإذا كان هذا أمرا متقررا فنقول إنه يجب أن يكون لهذه القوى رباط يجمعها كلها فتجتمع إليه، وتكون نسبته إلى هذه القوى نسبة الحس المشترك إلى الحواس التى هى الرواضع، فإنا نعلم يقينا أن هذه القوى يشغل بعضها بعضا، وقد عرفت هذا فى ما سلف لك، ولو لم يكن رباط يستعمل هذه فيشتغل ببعضها عن بعض فلا يستعمل ذلك البعض ولا يدبره لما كان بعضها يمنع بعضا عن فعله بوجه من الوجوه ولا ينصرف عنه، لأن فعل قوة من القوى إذا لم يكن لها اتصال بقوة أخرى لا يمنع القوة الأخرى عن فعلها إذا لم تكن الآلة مشتركة ولا المحل مشتركا ولا أمر يجمعهما غير ذلك مشتركا، كيف ونحن نرى أن الإحساس يثير الشهوة والقوة الشهوانية لا تنفعل من المحسوس من حيث هو محسوس، فإن انفعل لا من حيث هو محسوس لم يكن الانفعال الذى يكون لشهوة ذلك المحسوس، فيجب لا محالة أن يكون هو الذى يحس، وليس يجوز أن تكون القوتان واحدة، فبين أن القوتين لشىء واحد، فلهذا يصدق أن نقول "إنا لما أحسسنا اشتهينا" و" لما رأينا كذا غضبنا"
Sayfa 253