360

فإذن أي معنى أخذته مما يشكل الحال في جنسيته أو ماديته فوجدته قد يجوز انضمام الفصول إليه - إليها كان - على أنها فيه ومنه، كان جنسا. وإما أخذته من جهة بعض الفصول وتممت به المعنى وختمته حتى لو أدخل شيء آخر لم يكن من تلك الجملة وكان خارجا، لم يكن جنسا بل مادة وجبت له تمام المعنى حتى دخل فيه ما يمكن أن يدخل، صار نوعا. وإن كنت في الإشارة إلى ذلك المعنى لا تتعرض لذلك، كان جنسا. فإذن باشتراط ألا تكون زيادة يكون مادة، وباشتراط أن تكون زيادة نوعا، وبألا يتعرض لذلك بل يجوز أن يكون كل واحد من الزيادات على أنها داخلة في جملة معناه، يكون جنسا. وهذا إنما يشكل فيما ذاته مركب، وأما فيما ذاته بسيط فعسى أن العقل يفرض فيه هذه الاعتبارات - على النحو الذي ذكرناه قبل هذا الفصل - في نفسه. وأما في الوجود فلا يكون منه شيء متميز هو جنس، وشيء هو مادة. وإذا قررنا هذا فلنقصد المقصود الأول ونقول : إنما يوجد للإنسان الجسمية قبل الحيوانية في بعض وجوه التقدم إذا أخذت الجسمية بمعنى المادة لا بمعنى الجنس. وكذلك إنما يوجد له الجسم قبل الحيوانية إذا كان الجسم بمعنى لا يحمل عليه، لا بمعنى يحمل عليه. وأما الجسمية التي يجوز أن توضع متضمنة لكل معنى مقرون به مع وجوب أن تتضمن الأقطار الثلاثة، فإنها لا توجد للشيء الذي هو نوع من الحيوان إلا وقد تضمن الحيوانية بالفعل بعد أن كان مجوزا في نفسه تضمنه إياها. فيكون معنى الحيوانية جزءا ما من وجود ذلك الجسم إذ حصل حال الجسم، بعكس حال الجسم الذي بمعنى المادة فإنه جزء من وجود الحيوان، ثم الجسم المطلق الذي ليس بمعنى المادة : فإنما وجوده واجتماعه من وجود أنواعه. وما يوضع تحته فهي أسباب لوجوده وليس هو سببا لوجودها. ولو كان للجسمية التي بمعنى الجنس وجود محصل قبل وجود النوعية، لكان سبب وجود النوعية مثل الجسم الذي بمعنى المادة - وإن كانت قبليته لا بالزمان - ولكان إذ يوجد ذلك، يوجد شيئا ليس هو النوع، بل علة للنوع يوجد بوجوده النوع، فلا يكون النوع هو، وهذا محال. بل وجود تلك الجسمية هو وجود النوع لا غير، بل هو في الوجود هو نوعه.

فلنرتب الآن نوعا ولنحمل عليه جنسه وفصل جنسه وجنس جنسه فنقول : إنا إذا اعتبرنا هذه الأمور من جهة ما لها نسبة بالفعل إلى موضوعاتها - ليس من جهة اعتبار طبائعها فقط - لم نجد الجنس الأعلى يوجد أولا مستقرا بنفسه للنوع، ثم يتلوه الجنس الذي دونه ويحمل بعده؛ بل نجد كل ما هو أعلى تابعا في الحمل للأسفل. فإنك تعلم أنه لا يحمل جسم على الإنسان إلا الجسم الذي هو الحيوان، فإنه ليس يحمل عليه جسم غير الحيوان، بل يسلب عنه جسم ليس بحيوان. فشرط الجسم الذي يحمل عليه أن يكون حيوانا. ولولا الحيوانية لكان الجسم لا يحمل عليه : إذ الجسم الذي ليس بحيوان لا يحمل عليه. وليس الجسم إلا حيوانا أو هو نفس الحيوان. والجسم الذي يحمل عليه هو الذي إذا اعتبر بذاته كان جوهرا كيف كان، ولو كان مركبا من ألف معنى، وذلك الجوهر طويل عريض عميق. وهو إذا حمل عليه بالفعل قد صار المجوز فيه من التركيب محصلا في الوجوب : فإن كل مجوز كما علمته وتعلمه فقد يعرض له سبب به يجب، وهو السبب المعين. فكذلك هذا المجوز الذي نحن في حديثه ليس مما يبقى مجوزا لا يجب البتة، بل قد يجب فيكون الجسم قد وجب فيه التركيب الجاعل إياه حيوانا، فيكون ذلك الجسم حينئذ حيوانا، وذلك الحيوان إنسانا. فيكون الإنسان لا يحمل عليه جسم إلا الجسم الذي هو حيوان لا شيء آخر. فالحيوان هو أولا جسم، ثم الإنسان.

وبعد هذا كله، فليكن الجسم المحول على الإنسان علة لوجود الحيوان، وليس ذلك مانعا - على ما علمت - أن يكون الحيوان علة لوجود الجسم للإنسان، فربما وصل المعلول إلى الشيء قبل علته بالذات فكان سببا لعلته عنده إذا لم يكن وجود العلة في نفسها، ووجودها لذلك الشيء واحدا : مثل وجود العرض في نفسه ووجوده في موضوعه فإن العلة فيهما واحد. وليس كذلك حال الجسم والإنسان : فإنه ليس وجود الجسم هو وجوده للإنسان. وبالجملة لو شئنا أن نوصل الجسم إلى الإنسان قبل الحيوان لك (95 ب) يمكن ، وذلك لأن الموصول إليه حينئذ لا يكون إنسانا، لأن ما لم يكن حيوانا لم يكن إنسانا.

فمحال أن نوصل الجسم إلى حد أصغر يكون ذلك الحد الأصغر إنسانا ولم يصل إليه الحيوان. والحيوان إذا وصل إلى شيء تضمن ذلك الوصول وصول ما فوق الحيوان. ويكون وصول الحيوان إليه غير ممكن أيضا بلا واسطة يكون وصولها نفس حصول الإنسان. وافهم من الوصول الجمل على مفروض.

Sayfa 416