355

فقد تحصل من هذا أن برهان الإن قد يعطي في مواضع يقينا دائما؛ وأما فيما له سبب فلا يعطي اليقين الدائم، بل فيما لا سبب له. ومن هذه الجهة نقول إن الرياضي لا يقين له في كثير من الأمور المنسوبة إلى الهيئة لأنه يأخذها من جهة ما وجدت بالرصد. كذلك صنيعه حين يستخرج مثلا أوج الشمس من جهة أن حركة الشمس غير مستوية في أجزاء فلك البروج سرعة وبطئا. فبطؤها للأوج وسرعتها للحضيض، ولا يعطى العلة في شيء من هذا وإنما يعطيها الطبيعي. فإن قال قائل إنا رأينا صنعة علمنا ضرورة أن لها صانعا؛ ولم يمكن أن يزول عنها هذا التصديق - وهو استدلال من المعلول على العلة؛ فالجواب أن هذا على وجهين : إما جزئي كقولك هذا البيت مصور وكل مصور فله مصور. وإما كلى كقولك كل جسم مؤلف من هيولي وصورة؛ وكل مؤلف فله مؤلف. فأما القياس الأول : هو أن هذا البيت له مصور، فليس مما يقع به اليقين الدائم لأن هذا البيت مما يفسد فيزول الاعتقاد الذي كان إنما يصح مع وجوده. واليقين الدائم لا يزول. وكلامنا في اليقين الدائم الكلى. وأما المثال الآخر : هو أن كل جسم مؤلف من هيولي وصورة، وكل مؤلف فله مؤلف؛ فإن كون الجسم مؤلفا من هيولي وصورة إما أمر ذاتي للجسم به يتقوم؛ وإما عرض لازم. فإن كان عرضا لازما ما يلزمه لذاته ولا سبب له في ذلك، فيجوز ن يكون من قبيل ما يقوم عليه برهان الإن باليقين. فلنترك ذلك إلى أن تستبرأ حاله. وإن كان عرضا لازما ليس يلزمه لذاته بل لواسطة، فالكلام فيه كالكلام في المطلوب به؛ فلا يكون ما ينتج عنه يقينا بسببه. وإن كان ذاتيا أو كان من اللوازم التي تلزم لا بسبب؛ فالمحمول عليه " أن له مؤلفا " لا " المؤلف " فليس المحمول العلة، لأن العلة هي " المؤلف " لا " أن له مؤلفا " . وليس " المؤلف " هو الحد الأكبر بل " إن له مؤلفا " . فهذا هو محمول على الأوسط الذي هو " المؤلف " فإنك تقول إن المؤلف يوصف بأن له مؤلفا كما يقال للإنسان إنه حيوان. ولا نقول إن المؤلف مؤلف. ثم ذو المؤلف هو أولا للمؤلف، ثم للمؤلف من هيولي وصورة، سواء كان مقوما للمؤلف في (94 أ) أو تابعا لازما. وإذا كان ذو المؤلف في نفس الوجود هو أولا للمؤلف، فهو لما تحت المؤلف بسبب المؤلف على ما عرفت فيما سلف. فيكون اليقين حاصلا بعلة ويكون المؤلف علة لوجود ذي المؤلف للجسم، وإن كان جزء من ذي المؤلف - وهو المؤلف - علة للمؤلف. فقد بان أن الحد الأكبر في الشيء المتيقن اليقين الحقيقي لا يجوز أن يكون علة للأوسط؛ عسى أن يكون فيه جزء هو علة للحد الأوسط.واعتبار الجزء غير اعتبار الكل : فإن المؤلف شيء وذو المؤلف شيء آخر : فإن ذا المؤلف هو بعينه محمول على المؤلف؛ وأما المؤلف فمحال أن يكون محمولا على المؤلف. لكن لقائل أن يقول إنه يجوز أن يكون الحد الأكبر غير مقول للأوسط؛ بل هو أمر لازم له ومع ذلك ليس بمعلول له، بل هو أمر مقارن له، وكلاهما معا في الوجود، ولكليهما علة في الوجود واحدة يشتركان فيها مثل الحال بين الأخ والأخ. كيف يمكننا أن نقول إن لزوم وجود الأخ عن الأخ - إذ جعلناه حدا أوسط - لزوم عن علة؟ ومع ذلك فإنه يقيني لا شك فيه. وكذلك إذا علمنا أن هذا العدد ليس بزوج علمنا بتوسطه أنه فرد علما باليقين لا يزول البتة. وليس ذلك عن علة : فإنه ليس أنه ليس بزوج علة كونه فردا؛ بل الأولى أن يكون كونه فردا هو أمر في نفسه علة لكونه ليس بزوج، وهو أمر خارج عن ذاته، إذ هو باعتبار غيره. فيجب أن ننظر في هذه ونحلها فنقول : أما إذا كان هاهنا أمران ليس أحدهما متعلقا بطبيعة الآخر، بل تعلق أحدهما أو كلاهما بشيء آخر، فإنه ليس أحدهما يحب الآخر، بل مع الآخر. وإذا كان كذلك فليس أحدهما يتيقن بالآخر. وأما إذا كان أحدهما علم من جهة العلة؛ فإن كان الآخر علم أيضا من جهة العلة فتوسيط الأمر الآخر لا يفيد يقينا بذاته؛ إذ قد حصل ذلك من جهة العلة. وأما إن كان أحدهما يعلم من جهة العلة والآخر مجهول لم يعلم بعلمه، ثم من شأنه أن يعلم به الآخر، فليس بينهما حال الإضافة؛ فإن المضافين يحضران الذهن معا. وإذا لم يكن كذلك لم يكن هذا جاريا مجرى الأخ والأخ إذ كان أحدهما أعرف للأصغر من الآخر؛ لكن الآخر الذي هو الأكبر معروف للأوسط. فلو كانت العلة الموجبة للأوسط توجب ذلك أيضا للأصغر، لم يفتقر إلى الأوسط. فإنه إن كان في ذاته بحيث يجب للأصغر بالأوسط - وليس هو باعتباره بالأوسط وحده في حد الإمكان له - فللأوسط مدخل في عليته، وفرض لا كذلك. وإن كان اعتباره بالأوسط اعتبار شيء له إمكان بعد في الأصغر - ليس بوجوب - فلا يجب من جهة الأوسط أن يقع يقين. واعلم أن توسط المضاف أمر قليل الجدوى في العلوم. وذلك لأن نفس علمك أن زيدا أخ هو علمك بأن له أخا؛ أو يستعمل على علمك بذلك. فلا تكون النتيجة فيه شيئا أعرف من المقدمة الصغرى. فإن لم يكن كذلك، بل بحيث يجهل إلى أن يتبين أن له أخا؛ فما تصورت نفس قولك زيد أخ. وأمثال هذه الأشياء الأولى ألا تسمى قياسات فضلا عن أن تكون براهين.

أما الاستثناء المذكور فلا يخلو : إذا استثنى فقال : لكنه ليس بزوج - أي ليس له حد الزوجية - إما أن يقول ذلك لمقدمة غير موجبة لذاتها أن يكون ليس بزوج، فيكون العلم بهذه المقدمة غير يقيني؛ فلا تكون النتيجة بأنه فرد من جهة هذا البيان يقينية. وإما أن يكون علم بذلك للعلة الموجبة لأنه ليس بزوج - ولا علة لذلك إلا فقدان حد الزوج؛ وليس يمكن أن يفقد حد الزوج إلا بأن يؤجد أولا حد الفرد - فيكون هذا القياس مما لا فائدة فيه : لأنه ينتج ما قد علم قبل الاستثناء. وإنما يفيد من القياس الاستثنائي ما ينتج ما يعلم بعد الاستثناء.

وأما قياس الخلف فإنما يفيد برهان الإن لأنه يبين صدق شيء بكذب نقيضه لإيجابه المحال. وهذه كلها بأمور خارجة. لكنه في قوته أن يعود إلى المستقيم فيكون منه ما في قوته أن يكون برهانا.

وبعد هذا كله يجب أن يعلم أنه لا يكفي في اليقين التام الدائم أن يكون الأوسط علة لوجود الأكبر في الأصغر فقط؛ وأن يعلم أن أكثر الأمثلة الموردة في التعليم الأول المقتصرة على هذا القدر إنما أوردت على سبيل المسامحة؛ مثل حال الشجر؛ وعرض ورقه؛ وجفاف الرطوبة؛ والانتشار؛ وحال القمر وستر الأرض والكسوف. وتلك لأنه إذا كان الأوسط ليس دائم الوجود للأصغر، فإنه لا يجب أن يدوم ما يوجبه وما هو علة له. فإن كان علة فيكون ما يفيده من اليقين إنما يفيده وقتا ما.

ولقائل أن يقول : فكيف يكون حال الأصغر من الأوسط في البراهين؟ فنقول : يجوز أن يكون الأصغر علة للأوسط تقتضيه لذاتها بلا توسط علة اقتضاء النوع لخواصه المنبعثة عنه انبعاثا أوليا. لكن الأوسط علة لا للأصغر في ذاته، بل في بعض أحكامه وخواصه التي هي تابعة للأوسط، مثل " كون زوايا المثلث مساوية لقائمتين " ، إذا جعلناه الأوسط وفرضنا أنه كذلك بالقياس إلى الأصغر - وليكن المثلث، وليكن الأكبر " كون زوايا المثلث نصف زوايا المربع " .

ويجوز أن يكون الأصغر من خواص الأوسط التي يقتضيها الأوسط؛ ثم الأوسط علة لحكم يقارن الأصغر. وأما كيف يكون الأكبر والأصغر معا لازمين لشيء وليس أحدهما علة تقتضي الآخر، فقد علمت الوجه فيه. وأما قياس الأكبر من الأوسط فما علمت.

ولكن لقائل أن يقول إنه إذا ثبت حكم على الأصغر فصحت النتيجة فأردنا أن نجعلها كبرى قياس ما، فكيف يكون ذلك القياس في إفادة اليقين؟ فنقول إن الأصغر إذا صار أوسط وقد صار الأكبر بينا له بعلة؛ فقد صارت تلك العلة بعينها علة لكل ما يوصف بالأصغر؛ فقد صارت علة أيضا للأصغر الثاني؛ إلا أنها علة للأصغر الثاني بواسطة؛ وللأول بغير واسطة.

وليس برهان اللم هو الذي يعطي العلة القريبة بالفعل فقط؛ بلهو برهان لم وإن يفعل ذلك بعد أن يكون إنما يبين ما يبين بالعلة واليقين، وكان ينحل البيان فيه إلى العلل. والذي سنقوله من أن البرهان إذا أعطى العلة البعيدة من الحد الأكبر لم يكن برهان لم، فهو أن يكون مثلا الحد الأصغر ج والحد الأوسط ب والحد الأكبر أ ؛ لكن ب ليس علة قريبة لكون ج أ ؛ إنما هو علة لذلك لأجل أنه د. وإذا أعطينا أن ب أ لم يخل إما أن يكون يقينا لنا أن ب أ ومقبولا عندنا، أو لا يكون. فإن لم يكن مقبولا لم يكن هذا القياس برهانا، فضلا عن أن يكون برهان إن. وإن مقبولا لا من جهة د لم يكن يقينا بأن كل ب أ يقينا تاما، وكان إنتاجنا أن كل ج أ لأنه ب غير متيقن يقينا دائما تاما. فأما إذا كان قد تقدم العلم بأن كل ب أ لأجل أن د أ ، أو تأخر ذلك، فإن البرهان حينئذ لا يكون برهان إن مجردا.

الفصل التاسع في كيفية تعرف ما ليس لمحموله سبب في موضوعه وفي الاستقراء وموجبه، والتجربة وموجبها

Sayfa 411