Şifa-i Gâlil

شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل

Soruşturmacı

رسالة دكتوراة

Yayıncı

مطبعة الإرشاد

Baskı

الأولى

Yayın Yılı

١٣٩٠ هـ - ١٩٧١ م.

Yayın Yeri

بغداد

بسم الله الرحمن الرحيم
(وبه استعين) [٣ - أ]
الحمد لله المسبح بالغدو والآصال، المقدس عن مضاهاة الأمثال، الموصوف بالجمال والجلال، خالق الإنسان من الطين اللازب والصلصال، ومدبر الخلق بين دوري الأدبار والإقبال، وطوري الهداية والضلال، فـ «من يهد [الله] فماله من مضل». و«من يضال [الله] فماله من والٍ». والصلاة على محمد [رسوله] المصطفى وعلى آله خير آل.
أما بعد: فإن إلحاحك -إيها المسترشد -في اقتراحك، ولجاجك في إظهار احتياجك، إلى «شفاء الغليل»، في بيان مسالك التعليل: من

1 / 3

المناسب والمؤثر والشبه والطرد والمخيل -صرم لجاجي في التسويف والتساهل، وحل [عقدة] عزمي في المماطلة والتكاسل، فانجررت إلى تحقيق أربك، واستخرت الله تعالى في إسعافك بمطلبك، وأتيت فيه بالعجب العجاب، ولباب الألباب، وكشفت عن وجوه أسراره غمة الحجاب، وقشعت عن مغمضاته غواشي الارتياب.
وأنا أنبهك -أيها المسترشد -على شاكلة الصواب، قبل أن أخوض بك في غمرة الكتاب، وأقدم إليك نصيحة مشوبة بخشونة؛

1 / 4

فلا يزوينك عنها مرارة مذاقها، وخشونة ملمسها فنصيحة في تخشين خير من خديعة في لين.
وهي: أن هذا الكتاب لن يسمح بمضمون أسراره على مطالع، ولن يجود بمخزون أعواده على مراجع؛ إلا بعد استجماع شرائط أربع:
الشريطة الأولى: كمال آلة الدرك: من وفور العقل، وصفاء الذهن، وصحة الغريزة، واتقاد القريحة، وحدة الخاطر، وجودة الذكاء والفطنة.
فأما الجاهل البليد، فهو عن مقصد هذا الكتاب بعيد.
وهذه شريطة غريزية، وقضية جبلية، وهي من الله تعالى تحفة وهدية، ونعمة وعطية، لا تنال ببذل الجهد والاكتساب، وتنبتر دون دركها وسائل الأسباب.
الشريطة الثانية: استكداد الفهم، والاقتراح على القريحة،

1 / 5

[واستعمال الفكر]، واستثمار العقل بتحديق بصيرته إلى صواب الغوامض: بطول التأمل، وإمعان النظر، والمواظبة على المراجعة، والمثابرة على المطالعة، والاستعانة بالخلوة وفراغ البال، والاعتزال عن مزدحم الأشغال.
فأما من سولت له نفسه درك البغية بمجرد المشامة والمطالعة: معتلًا بالنظر الأول والخاطر السابق، والفكرة الأولى، مع تقسيم الخواطر، واضطراب الفكر، والتساهل في البحث والتنقير، والانفكاك عن الجد والتشمير -فاحكم عليه بأنه مغرور مغبون، وأخلق به أن يكون من «الذين لا يعلمون الكتاب إلى أماني وإن هم إلا يظنون».
فصاحب هذه الحالة سيحكم -لا محالة -على لفظ الكتاب بالإخلال: متى استغلق عليه، وعلى معناه بالاختلال: متى لم يبث أسراره إليه.

1 / 6

وكم من عائب قولًا سليمًا ... وآفته من الفهم السقيم
الشريطة الثالثة: الانفكاك عن داعية العناد، وضراوة الاعتياد، وحلاوة المألوف من الاعتقاد، فالضراوة بالعادة، مخيلة البلادة؛ والشغف بالعناد، مجلبة الفساد؛ والجمود على تقليد الاعتقاد، مدفعة الرشاد. فمن ألف فنا، علما كان أو ظنا: نفر عن نقيضه طبعه، وتجافى عنه سمعه، فلا يزيده دعاؤك إلا فرارًا أو نفارا، ولا يفيده ترغيبك إلا إصرارا واستكبارًا:

1 / 7

ومن يك ذا فمٍ مرٍ مريضٍ ... يجد مرًا به الماء الزلالا
الشريطة الرابعة: أن يكون التعريج على مطالعة هذا الكتاب، مسبوقًا بالارتياض بمجاري كلام الفقهاء في مناظراتهم، ومراقي نظرهم في مباحثاتهم، محيطًا بجليات كلام الأصوليين، محتويًا على أطراف هذا العلم، خبيرًا بمنهاج الحجاج، كثير الدربة والمران بمصنفات أهل الزمان، متعطشًا إلى درك أسرارٍ شذت عن المصنفات، متشوقًا إلى الإطلاع على حقائق أخفاها عن بني الدهر طارق الآفات.
فإني سقت الكلام في هذا الكتاب، على نهاية الانقباض عن التعرض لما اشتمل عليه كتاب «المنخول، من تعليق الأصول»، مع أنه النهاية في الوفاء بطريقة إمامي فخر الإسلام: إمام الحرمين، قدس الله

1 / 8

روحه. وأنحيت على تقرير أمور خلت عنها هذه الطريقة، وقد أحوج إلى استقصائها كلماتٌ تداولتها ألسنة المتلقفين من كتب القاضي أبي زيد الدبوسي ﵀، فغلبت على كلام الخصوم في مجاري الجدال والخصام، وقد انسدل على وجهها جلباب من التعقيد والإبهام، فأورث ذلك على المعترضين خبطًا في الكلام. فوقع الكشف عن عوارها، والتنبيه على غوائلها وأغوارها -من الكتاب - بعض المقصد والمرام.
* * *

1 / 9

ولقد أتيت فيه باليد البيضاء، والمحجة الغراء، والحجة الزهراء؛ وسيعترف لي به من له [؟ لم] تحركه رذالة الحسد إلى الطعن والإزراء.
ولست تعدم -أيها المسترشد -رهطا يستجمعون الشرائط التي قدمتها، ويستخرجون من هذا الكتاب الأسرار التي إياه ضمنتها وأودعتها، ثم يقابلونه بالجحود، والكتمان والكنود، ويستدرون فوائده باطنا وهم في الظاهر يذمون، و«إن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون». والمعجب بنفسه إذا لاح له الحق [لا يزداد] ما استطاع في غلوائه إلا غلوًا. «وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا»:
يذمون دنيا لا يريحون درها ... فلم أر كالدنيا: تذم وتحلب

1 / 10

فلا يخذلنك -أيها الطالب - خذلانهم، ولا يغرنك جحودهم وكتمانهم: فالدر الأزهر، والياقوت الأحمر، والزبر جد الأخضر، والمسك الأذفر؛ لا يخشى على أسواقها الكساد، بتهجينات] ٤ - أ [الحساد. فنسترزق الله الهدى لسبل الرشاد والسداد، ونعوذ به من دواعي الضلال والعناد.
وها أنا أفصل لك من مضمون هذا الكتاب تراجمه، ومن مقاصده معاقده ومناظمه.
ولقد قدمت لك مقدمة في صدر الكتاب، على نهاية الإيجاز، في بيان معاني القياس والعلة والدلالة. ثم قسمت مقصود كتاب القياس إلى خمسة أركان:
الركن الأول: في طرق إثبات علة الأصل. الركن الثاني: في العلة. الركن الثالث: في الحكم. الركن الرابع: في الأصل الذي عليه القياس. الركن الخامس: في الفرع الملحق بالأصل.
فأما الركن الأول: فقد نصلت فيه طرق إثبات العلة: بالتنصيص والتنبيه والإيماء، على نهاية الاستقصاء.
ثم ذكرت بعده إثبات العلة، بالتأثير، وذكرت معنى المؤثر.

1 / 11

ثم ذكرت [بعده] إثبات العلة: بالمناسبة، وذكرت معنى «المناسب» وحده وأقسامه، وخيال الفرق بينه وبين المؤثر. وأردفته بيان الاستدال المرسل، وكثفت الغطاء فيه بتكثير الأمثلة.
ثم ذكرت طريق إثبات العلة: بالاطراد والانعكاس. ثم انحدرت منه إلى بيان «الشبه» وطريق إثباته. ثم نزلت منه إلى بيان «الطرد» وما يتعلق [منه] بالجدال، وما يرتبط بالاجتهاد. ونبهت على غلطات بني الزمان في الفرق بين الشبه والطرد.
ثم أتبعت ذلك بباب في بيان ما تعدد العامة من الشبه وليس منه. وذكرت في هذا الباب تفصيل القول في الشبه في جزاء الصيد، والفرق بينه وبين الشبه المعروف في لسان الفقهاء. وذكرت كيفية النظر في التغليب عند ازدحام مناطين للحكم، أو عند تركب المسئلة من شائبتي مناطين متعددين. وأظهرت وجه لفرق بين الجنسين، ووجه انقطاعهما عن قياس الشبه.
واختتمت الباب بيان فن من التصرف، عبرت عنه: بتنقيح مناط الحكم. وذكرت في الباب الأخير أشكال المقاييس، وانقسامها

1 / 12