وكذلك لا يجوز أن تكون مفطورة على الشعور والعلم بالخير النافع دون محبته وإرادته، وعلى معرفة بارئها وفاطرها دون محبته والإخلاص له والإنابة إليه؛ فإن ذلك يستلزم أن يستوي عندها إرادة الخير والشر، والشكر والكفر به (^١)، وجحود نعمه، وهذا أيضًا خلاف الحسّ والعقل، وما يجده كل أحد في فطرته.
فتبين بالضرورة أنه لا يستوي عندها هذان الأمران، بل لا بدّ أن يترجّح عندها معرفة الحق واعتقاده ومحبته وإيثاره على غيره.
وحينئذ فلا تكون مفطورة على يهودية ولا نصرانية ولا مجوسية، بل على الحنيفية السمحة، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢].
ونختم الـ ... (^٢) دعاء النبي ﷺ الذي كان يدعو به في قيام الليل: «اللهم رب جبريل و[ميكائيل، وإسرافيل] فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم [بين عبادك] فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهد [ي من تشاء] إلى صراط مستقيم» (^٣).
(^٣) أخرجه مسلم (٧٧٠) من حديث عائشة، وما بين المعقوفات مستدرك منه.
2 / 467
الباب الأول في تقدير المقادير قبل خلق السماوات والأرض
الباب السادس والعشرون فيما دل عليه قوله ﷺ: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» من تحقيق القدر وإثباته، وما تضمنه الحديث من الأسرار العظيمة