ولم يرد في كلام أوبري شيء عن عاداته وملاهيه في غير مجالس المسامرة، ولكن سير والتر رالي
Raleigh
مترجم شكسبير في القرن التاسع عشر يعتمد على مسرحيات شكسبير وعلى الذكريات المنقولة، فيقول عنه إنه كان يشترك في رحلات الصيد ويتقن من هذه الرياضة ملاحقة الطرائد واستخدام البزاة.
ويتوسط بين أوبري ورالي في الزمن مترجم معجب بالشاعر كان يتولى رعاية الكنيسة بقرية ستراتفورد من سنة 1662 إلى سنة 1681، ويتتبع أخبار الشاعر من كبراء السن فيها، وذلك هو القس جون وارد
Ward
جد السيدة سيدون أعظم الممثلات في أدوار شكسبير، وهو يسرد من تلك الأخبار أشتاتا متفرقة لا يسندها إلى مرجع معروف ويختمها بقوله: «إن شكسبير ودرايتون وبن جونسون اجتمعوا في مجلس طرب وأكثروا من الشرب على ما يظهر؛ لأن شكسبير مات بالحمى التي أصابته بعد ذلك.»
وليس الغريب في هذا الخبر أن شكسبير يشرب مع زملائه، فإنه لم يكن بدعا في عادات العصر بين قومه ولا بين زملائه، ولم يكن من طائفة المتطهرين التي تدين بالحمية في الطعام والشراب، ولكن الغريب أن يفرط في معاقرة الخمر حتى يقضى عليه من جرائها؛ إذ لا يعقل أن يفرط الرجل في الشراب ويفرغ للعمل الذي أتمه في الكتابة والتمثيل وإدارة المسرح وتدبير شؤون الأسرة في مقامه بلندن ومقامه بقريته، وأن يحدث منه ذلك بعد أن جاوز الخمسين.
ونحسب أن القس جون وارد عجب من أن يقضي الشاعر نحبه في الثانية والخمسين بغير علة معلومة ولا حادث طارئ، فعلل موته بإصابة عارضة من حمى الشراب، وما كان للقس أن يعجب لموت بطله قبل علو السن لو قابل بين عمره وأعمار إخوته وأبنائه، فإنه نبت في قوم قصار الأعمار وأحس وطأة الموت وهو في الثلاثين كما جاء في موشحته الثالثة والسبعين، وختم حياة العمل والاغتراب عن موطنه في نحو الخامسة والأربعين، فإذا كان للشراب أثر في التعجيل بأجله فلا حاجة إلى الإفراط فيه لتقصير هذا العمل القصير. •••
وبعد، فنحن نقنع من الأخبار والقرائن بهذه الصورة الصغيرة «للإنسان» شكسبير؛ لأننا لم نعثر بصورة له تغنينا عنها، وهي على الجملة صورة صغيرة مجردة من الألوان الواضحة، ولكنها على صغرها ونصول ألوانها صادقة الشبه واضحة الخطوط، وقد نحصر خطوطها الواضحة في كلمتين حين نقول إن «الإنسان شكسبير» هو القروي العالمي الذي نفهمه كلما فهمنا العالم الذي عاش فيه والقرية التي نبت منها ولم ينقطع عنها حتى عاد إليها.
فلا تتم في أخلادنا صورة «الإنسان شكسبير» إلا إذا عرفنا أنه عاش في عالم الكشوف الذي تراجعت حوله حدود المجهول في الأرض والسماء وفي أغوار الطبيعة الإنسانية، وإن أهم هذه الكشوف لهو هذا الكشف عن طبيعة الإنسان فيما يغنينا من ملكات الرجل الذي تقوم رسالته على تصوير مئات من الرجال والنساء يمثلون الطبائع على خيرها وشرها، ويتقاربون أو يتباعدون على ضروب من العلاقات قلما تغيب عنها علاقة بين إنسان وإنسان.
Bilinmeyen sayfa