ورغم ذلك فإنهم وضعوا للرقابة رجالا من البوليس الملكي يسيرون وراء معاليه أينما سار، وكانوا ظاهرين، ولكن لما أظهر الرئيس عدم ارتياحه من هذه المراقبة الظاهرة إلى رئيس البوليس المستر كوكلان، تحولت المراقبة فصارت مستترة، وكان أولئك الرجال المراقبون من سكان البلاد وهم يجيدون الإنجليزية جدا ويتكلمون الإسبانية كذلك، وكثيرا ما كان معاليه يذهب إلى السوق على قدميه وهو يقع في أسفل الصخرة، ويبعد عن البيت نحو 45 دقيقة، فيبتاع شيئا من الجرائد وقليلا من الفاكهة.
وكان في كل صباح يتنزه في حديقة المنزل نحو 20 دقيقة قبل الفطور، فيسير مسافة ميل ونصف ميل ثم يعود إلى قراءة المجلات والجرائد الإنجليزية (التي كنت أساعده على تفهم ما يجيء فيها بخصوص مصر) وغيرها.
وكان كذلك يقوم بهذه النزهة بعد ظهر كل يوم، أما في الليل فلا يخرج، وكان الناس أثناء مروره في الطريق يشيرون إليه بالبنان ويتهامسون باسمه.
وقد لاحظ معاليه بعد قليل من وجودنا هناك أن الطربوش يستلفت أنظار الناس، فاشترى قبعة كان يلبسها كلما خرج للتنزه.
وأحيانا كنا نستقل عربة تمر بنا حول الصخرة بين طلولها القديمة، وقد رأينا فيما رأينا برجا يقول الناس إن بانيه هو طارق بن زياد، ولم يبق منه إلا رسومه، وقد أحاطته الحكومة بسور من الحديد، وهو قائم وسط خلاء شاهد لما كان للعرب من مجد أثيل وعز تليد.
وكانت المراسلات من وإلى الرئيس في جبل طارق غير ما كانت عليه في سيشل، فإنها كانت حرة لا رقابة عليها؛ لذلك كنا نتلقى كل يوم وابلا من الرسائل التلغرافية، كما كان يأتينا البريد بكثير من الرسائل البريدية كل عشرة أيام تقريبا من مصر، وكل أسبوع من أوروبا.
ونشرت مرة جريدة إسبانية، تصدر هناك، مقالة مطولة شديدة اللهجة بإمضاء إنجليزي يقطن مصر اسمه «أميجو»
6
يدعو فيها أهل جبل طارق والإسبانيين إلى الاحتفاء بزغلول باشا زعيم مصر الكبير وإكرامه، بل يدعوهم أيضا إلى الاحتجاج على سجنه والسعي في الإفراج عنه، ويشرح نتفا من تاريخ حياته وأصله.
فكانت النتيجة أن أقفلت السلطة الإنجليزية تلك الجريدة يوما وبعض يوم حتى اعتذر أصحابها وقدموا الضمان على عدم العودة إلى مثل هذا العمل، وقالوا إنها رسالة وصلتهم من مصر وقد نشروها بحسن نية، فعادت جريدتهم إلى الصدور.
Bilinmeyen sayfa