383

Rocambole

الإرث الخفي: روكامبول (الجزء الأول)

Türler

فاضطرب روكامبول لما سمعه، وتذكر أوراق السير فيليام التي كان يقرؤها منذ حين، فقال للمسافر كي يجره إلى الحديث: أعرفت مدينة الهافر من قبل؟ - كلا، وأنا ذاهب إلى باريس لأرى فيها أما وأختا لم أرهما منذ ثمانية عشر عاما؛ أي منذ سافرت بحارا في سفن الهند، ولم يكن لي في ذلك العهد من العمر سوى عشرة أعوام.

فلما سمع روكامبول هذا الكلام نسي العاصفة وأخطار الغرق، بل نسي الوجود وانصرف بجملته إلى التأمل بهذا الشاب، ولم يصب في حياته بما أصيب به من التأثر حين كشف له هذا البحار دون أن يعرف أسرار تلك الأوراق، وتراءى له أن أبواب المستقبل قد فتحت أمامه، وأن الصدفة أقبلت تبتسم له أجمل ابتسام، ولكنه ضبط اضطرابه وقال له بلهجة سرور: إذن أنت فرنسي؟

وهز البحار رأسه وأجاب: إنك تعجب كيف أشتغل في سفن الهند وأنا فرنسي، إلا أن لذلك سرا عائليا لا يسعني إفشاؤه.

ثم أمسك منظاره من يد روكامبول وقال: أرجو أن تأذن لي يا سيدي بمبارحتك الآن؛ لأني ذاهب إلى غرفتي كي أجعل أوراقي في مأمن من المياه إذا نكبنا بغرق السفينة، فإني قد وضعتها في حقيبة من الحديد الرقيق وسأتمنطق بها، وإن ألقيت نفسي إلى الماء لا تبتل.

ولما انصرف خاض روكامبول في عباب تصوراته، وقد جعل جل قصده التزلف إلى هذا البحار بصداقة تحمله على الوثوق به والإباحة له بجميع سره، وقد سار في مجال هذا التصور إلى مدى بعيد، حتى إنه خطر له أن يكون بدل هذا البحار عند أمه وأخته، ولكنه اضطرب حين بلغ إلى هذا الحد من التصور، وكأنه لم يجسر على تتمته، ثم اشتدت عزيمته حين تذكر السير فيليام الذي لم يكن يشفق على أحد، وذكر ما كان يقوله له: «وهو أن الحياة معترك، ولا بد للفوز في المعارك من القتل، وأن عزاءنا على قتل الناس كثرة الناس في الأرض.»

ولبث واقفا على ظهر السفينة غير مكترث لما يكتنفها من المخاطر، وجعل يردد في تفكيره هذه الكلمات: «إنه فرنسي ... اشتغل في إحدى سفن شركة الهند ... ترك باريس منذ ثمانية عشر عاما ... دخل إلى السفن وهو في العاشرة من عمره كي يتعلم فن البحارة.

إن جميع ما سمعته من هذا الرجل ينطبق أشد الانطباق على ما قرأته في أوراق السير فيليام.»

وفيما كان روكامبول غارقا في لجج تصوراته، كانت تلك الغمامة التي لم تكن ترى إلا بالمنظار تمتد وتتسع، كما تنبأ به المسافر، حتى ملأت ذلك الفضاء الوسيع وتوارى القمر في ضبابها المتلبد، ثم هبت الرياح فكانت خفيفة في بدء هبوبها، ولكنها جعلت تزيد وتضعف تباعا حتى أوشكت أن تكسر الصواري.

وكان صوت العاصفة يصل من بعيد فيبلغ إلى السفينة كزئير الأسود، والناس قد هلعت قلوبهم، وبات دوي أصواتهم يمتزج بين دوي الرعود وبين رجال يجأرون إلى الله بالدعاء، ونساء تعول وتنتحب، فيطبق صراخها الفضاء، وبحارة يصيحون وهم يتسلقون الصواري ليطووا القلوع، فتصدهم زوابع الهواء.

وكان روكامبول واقفا بين هذا الخليط مشتت البال، منشغلا عن اضطراب الناس من حوله لما كان يجول في خاطره من أمر هذا المسافر، وبقي على هذا الذهول إلى أن رده إلى هداه المسافر نفسه، فاحتك به قائلا: أرأيت ما كان من أمر هذه الغمامة؟

Bilinmeyen sayfa