وكان أحدهما مرتديا بملابس النبلاء، وكان الآخر خادما كما يظهر؛ فإنه حين ترجل عن جواده ألقى عنانه إليه، ثم مد إليه يده وقال له: أستودعك الله يا متى، إلى الأبد ... ولا أنسى إخلاصك في خدمتي ما حييت.
فتلقى الخادم هذا الوداع بالبكاء، وأكب على يد سيده يقبلها ويغسلها بدموعه وهو يقول: أتدخل يا سيدي إلى الدير وتنقطع عن العالم هذا الانقطاع، وأنت الغني النبيل الذي أجمع الناس على حبه واحترامه؟ - ذلك لا بد منه، الوداع فاذهب بأمن الله.
ثم أشار إلى خادمه بيده إشارة منعته عن العودة إلى الحديث، فاندفع في البكاء وقاد جواد سيده بعناية وسار ماشيا في الغابة، وهو كلما خطى خطوة يلتفت إلى الوراء فيرى سيده واقفا تحت المطر عند باب هذا الدير الذي من يدخل إليه لا يخرج منه إلا إلى ظلمة الأبد.
أما السيد فإنه لبث واقفا حتى توارى الخادم بالجوادين عن الأنظار، فقرع باب الدير.
وفي اليوم التالي احتفل الرهبان بتدشين هذا الراهب الجديد، وبدأت أعماله الشاقة التي لا بد أن يعملها كل منتظم في سلك الرهبنة حين دخوله.
وبعد عشرة أعوام أصبح هذا الراهب البسيط رئيسا لذلك الدير، ولم يعلم أحد حقيقة اسمه، ولا تلك النكبة الهائلة التي دعته إلى اعتزال العالم في مقتبل الشباب والانصراف إلى خدمة الله.
ولكنه نال شهرة واسعة في تلك المقاطعة بالتقوى والإصلاح وحسن الإدارة، فزالت حين تولى الرئاسة شكاوى الناس من جور الرهبان وانقطعت المظالم وحسنت سيرة الرهبان، فلم تعد تخشى النساء التنزه في الغابات.
وقد تقدم لنا القول إن الحرائق كانت كثيرة في تلك الأيام، فاشتهر الأب جيروم في خلالها بالغيرة والجرأة والإقدام، فإنه كان إذا شبت النار في موضع أسرع إليها في طليعة رهبانه، واقتحم النار غير هياب فلا يعود إلا بعد إخماد النار.
ولذلك لم يذهل داغوبير لشبوب النار، ولكنه استاء لعدم تمكنه من المساعدة في إطفائها.
ولبث الحداد واقفا عند باب دكانه إلى أن أشرقت الشمس وملأت أشعتها الكون، ورأى أن أنوار الحريقة قد خمدت وانقطع صوت أجراس الاستغاثة.
Bilinmeyen sayfa