3
يدعو النبي أمته إلى أن تسمع منه القانون الإلهي ويبدأ باستبعاد كل أنواع القرابين وكل الأعياد من هذا القانون، ثم يدعو للقانون نفسه (انظر: 1: 16-17)،
4
ويلخصه في هذه الوصايا القليلة: تطهير النفس، ممارسة الفضائل بصفة مستمرة؛ أي القيام بالأفعال الحسنة، الإحسان إلى الفقراء. ونجد في المزمور 40، الآيات 7، 9 شهادة لا تقل وضوحا عن ذلك، إذ يخاطب كاتب المزمور الله قائلا: «ذبيحة وتقدمة لم تشأ لكنك ثقبت أذني
5 ⋆
ولم تطلب المحرقات ولا ذبائح الخطيئة، لأعمل بمشيئتك يا الله، إني في هذا راغب، وشريعتك في صميم أحشائي.» فهو إذن لا يقصد إلا هذا القانون المسطور في الأحشاء وفي النفس، ويستبعد منه الطقوس؛ إذ لا تصح الطقوس إلا في إطار نظام معين، لا بطبيعتها الخاصة، ومن ثم فهي ليست مسطورة في النفس. وتشهد نصوص كثيرة أخرى في الكتاب على ذلك، ولكن يكفينا منها النصان السابقان. وفضلا عن ذلك، فإن الكتاب ذاته يقرر أن الطقوس لا تؤدي إلى السعادة مطلقا، بل تتعلق فقط بالمنفعة الدنيوية للدولة، إذ لا يبشر الكتاب من يقيم هذه الطقوس إلا بمزايا مادية ولذات حسية، ويقصر السعادة الروحية على من يحافظ على القانون الإلهي الشامل. فالأسفار الخمسة التي تشيع نسبتها إلى موسى لا تبشر - كما ذكرنا من قبل - إلا بهذا النعيم الدنيوي، أعني التكريم أو الشهرة والانتصارات والثروات واللذات وسلامة البدن. وعلى الرغم من أن الأسفار الخمسة تحتوي، بالإضافة إلى هذه الشعائر المفروضة، على كثير من الوصايا الخلقية، فإن هذه الأخيرة لا توجد فيها بوصفها تعاليم خلقية مشتركة بين الناس، بل بوصفها أوامر تكيف بوجه خاص طبقا لفهم أمة العبرانيين وحدها وطبقا لمزاجها الخاص، وتتعلق بمنفعة دولتهم فحسب. فمثلا لا يعلم موسى اليهود تحريم القتل وتحريم السرقة كما يعلمها الفقيه أو النبي، بل يأمرهم بذلك كما يأمر المشرع والحاكم، ولا يثبت تعاليمه بالدليل بل يقرن أوامره بالتهديد بعقاب قد يمكن، بل يجب، أن يتباين، كما أثبتت التجربة تبعا للمزاج الخاص بكل أمة. وهكذا فإنه لم يقصد من تحريم الزنا إلى المصلحة العامة ومنفعة الدولة، ولو كان قد قصد إعطاءنا تعاليم خلقية لتحقيق اطمئنان النفس والسعادة الحقة للأفراد لما أدان الفعل الخارجي فحسب، بل لأدان أيضا موافقة النفس عليه كما فعل المسيح الذي لم يقدم إلا تعاليم شاملة (انظر: متى، 5: 28).
6
ولهذا السبب يبشر المسيح بجزاء روحي، لا بمكافأة مادية، كما فعل موسى؛ وذلك لأن المسيح، كما قلت ، لم يبعث للمحافظة على الدولة ولتشريع القوانين، بل لتعليم القانون الشامل وحده. من ذلك ندرك بسهولة أن المسيح لم ينسخ شريعة موسى مطلقا، لأنه لم يشأ وضع قوانين جديدة للمجتمع، وكان همه الوحيد إعطاء تعاليم خلقية وتمييزها عن قوانين الدولة،
7
وهذا يرجع بوجه خاص إلى جهل الفريسيين الذين كانوا يظنون أن تطبيق القواعد القانونية للدولة، أي شريعة موسى، كاف ليعيشوا سعداء، مع أن هذه الشريعة - كما قلنا من قبل - لم تكن تهدف إلا مصلحة الدولة، ولم تكن غايتها تنوير العبرانيين، بل إرغامهم. ولكن لنعد إلى موضوعنا الأول، ولنذكر نصوصا أخرى من الكتاب لا تبشر من يقيم الشعائر إلا بمزايا مادية وتقصر السعادة على من يحافظ على القانون الإلهي الشامل وحده. لقد كان أشعيا أوضح الأنبياء في الدعوة لذلك، فبعد أن أدان النفاق في الإصحاح 58، وبعد أن أوصى بالحرية وبالإحسان إلى النفس وإلى الجار، أعطى هذه الوعود: «حينئذ يتبلج كالصبح نورك، وتزهر عافيتك سريعا، ويسير برك أمامك ومجد الرب يجمع شملك.»
Bilinmeyen sayfa