ولا نرى أن الأمر في لياذه بتلك «الشرفة» كان أمر وجاهة وسمعة وكفى، فإنه كان في لبابه أقرب إلى قداسة الدين لما فيه من حفظ أمانة الانتساب إلى خاتم النبيين وسيد المرسلين؛ إذ كان بيت المويلحي ينتسب إلى الحسين - رضي الله عنه - وكانت له بهذا النسب سيادة مرعية في بلاد العرب، وولاية على محلة «المويلح» لا ينساها خلفاؤه الأدباء في عهد المناظرة والمنازعة بين سلالة العرب الأقدمين، وسلالة الترك المحدثين. •••
إن المويلحي الصغير قد أصبح أكبر المويلحيين في العصر الحاضر، وإنما يذكر ب «حديث عيسى»، وقلما يذكر بكتابه الآخر عن «علاج النفس»، وهو على هذا طبقة في بابه لا تقصر على طبقة عيسى بن هشام في بابه، ولكن مزية هذا أنه فاتحة منفردة في الأدب العربي الحديث، تذكر بها حقبة كاملة سجلها فأبدع في صدق تسجيله وحسن تمثيله، وكان فيها الكفاية لذكر كاتبها بين الرعيل الأول من رواد عصره وما بعد عصره من عصور الآداب العربية المقبلة، وسيظل هذا الكتاب نموذجا يقتدي به من يطلب التجديد، ويتعلم الابتداء به على نهجه القويم؛ فهو مثال من النقد الاجتماعي يضارع أبلغ المثل في الآداب الأوروبية المعاصرة، ولكن المؤلف لم يقطعه مبتورا من جذوره بموطنه ليغرسه غريبا بين مواطن الضاد على غير منبته، بل تناول جذور المقامة العربية فأقامه عليها وأحسن تناولها وإقامتها لفظا ومعنى، فهو مقامة يرتضيها «بديع الزمان» ومنهج من النقد العصري يرتضيه «سويفت» و«لي هنت» و«هايني» و«أناتول فرانس».
وراء التراجم والسير
1
في حديثنا عن محمد المويلحي صاحب عيسى بن هشام، أشرنا إلى دسائس الأدب، بل ودسائس القصر، في عصره، وقلنا: «إن مؤامرات الأدب ودسائسه كانت في باطن أمرها فرعا من فروع المؤامرات المعهودة في كل حاشية ملكية؛ لأن الأدباء كانوا على اتصال قريب أو بعيد بحاشية الأمير.»
واتفق أن نشرت إحدى المجلات الأدبية قبل كتابة الحديث - في باب «الفكر والأدب قبل ستين سنة» - نبذتين منقولتين عن صحيفة «مصباح الشرق» وصحيفة «الصاعقة» لهما اتصال وثيق بتلك المؤامرات، وفيهما دلالة على محور المؤامرات التي كانت تدبر في القصر وتتصل بالكتاب والأدباء ممن تحدثنا عنهم، وهم: علي يوسف، ومصطفى كامل، ومصطفى لطفي المنفلوطي، والبكري، ومحمد المويلحي، ولا يستطيع ناقد خالي الذهن مما وراء تراجمهم من خفايا القصور أن يفهم طبيعة الحملات الأدبية والمناوشات القلمية، فضلا عن حملات السياسة ومناوشاتها التي يشتركون فيها؛ ومن هنا وجب أن نكشف النقاب عما وراء تاريخ الأدب من تاريخ القصر في تلك الفترة.
جاء في النبذة التي نقلت عن «مصباح الشرق» بعنوان «حادثة دراكتوس»:
اشتغل صاحب المؤيد طول الأسبوع بالكتابة عن حادثة دراكتوس فكتب ما يلي: ساءنا أن أحد أبناء الذوات المشهورين بالذكاء والنباهة قد استعمل الشدة والقسوة مع محرر إحدى الجرائد الأسبوعية المشهورة بحسن الكتابة والتوقيع، والنابغ في الانتقادات الشخصية، فضربه على خده وصفعه على قفاه. ولا صحة لما قيل من أنه جره بيده من أذنه بلا جريرة ولا ذنب سوى أن المضروب رحب بالضارب عند دخوله حانة دراكتوس قائلا مازحا: أهلا بالفاتن أو الفتان.
ثم عقب محرر «المصباح» على ذلك قائلا:
ثم كتب - المؤيد - غير ذلك في عدد 5نوفمبر ما يضيق المقام عن نقله لطوله، وقد حدثت لنا حادثة كنا نظنها من الأمور الخاصة: أنا محمد المويلحي أقر وأعترف بأنني كنت في دكان دراكتوس عشية يوم السبت 25 من شهر أكتوبر مع جماعة من الأصحاب، وبينما أنا جالس إذ دخل محمد بك نشأت وقال لي: بونسوار مويلحي! فأجبته كعادتي معه مازحا: أهلا بالفتني! وهي تعريب الكلمة التي يطلقها عليه أصحابه بالفرنسية “Petit interegat” ، فما كان منه أن ضربني بكفه على وجهي فلم أتحرك من مكاني ولم تتغير جلستي، وقلت له: ما زدت أن فعلت ما يمكن لأي حمار في الطريق أن يفعله مع أكبر كبير ... إلخ إلخ.
Bilinmeyen sayfa