415

آخره ثم سرنا كذلك إلى أن دخلنا وادي النار وهذا الوادي قد وافق فيه الاسم المسمى إذ لا يخلو من شدة تقع للحاج فيه من عطش وموت ومرض وهو واد كبير قد انطبق عليه الجبلان من النبط إلى الخضيرة فلا ينفذ فيه الهواء غالبا لأن الهواء إذا تحرك بالرياح انطبق عليه الجبلان فينعكس الريح إلى ما وراء وتحدث الحرارة والسموم في الهواء فينشأ الهلاك منه ولا ماء هناك من النبط إلى الينبع فإذا قبح الهواء مع الحرارة مات من الناس ألوف مؤلفة في أسرع مدة فيأخذ الرجل الماء فلا يضعه من يده حتى يموت وقد صار ذلك في رجوعنا.

نعم اشتد بنا العطش أنا وجماعة من الفضلاء كثيرا قرب وصولنا إلى النبط وإذا بأعرابي أتانا بقربة ماء عذب وأظنه من ماء المطر بارد كأنه من ماء الثلج وسقى جمعينا لوجه الله العظيم ولو طلب الدراهم لأخذ منها كثيرا لقرب الموت والهلاك منا فاستغربنا حال الرجل وما صدر منه إلينا من غير طلب شيء ولو دعوة خير إذ عادة الأعراب لا يعطون شربة الماء إلا بفلوس كثيرة لا سيما عند العطش ونحن والحمد لله قد وقع بنا فضل عظيم وجود كريم.

ثم سرنا كذلك إلى أن وصلنا الخضيرة أوان العصر وهذا المنزل لا ماء فيه أصلا وبتنا فيه على أحسن حال وأتمه وارتحلنا منه آخر الليل ثم كذلك إلى أن صلينا الصبح وقطعنا الأمكنة المسماة بسبع وعرات فخرجنا إلى متسع من الأرض وبلغنا إلى ينبع النخل بين الظهر والعصر في حر شديد ووجدنا المصري نازلا هناك فنزلنا حذاءه الفلالي والجزائري والفزاني فلما خيمنا البيوت تفرقت الناس على المياه وشراء علف الدواب وما يحتاجونه من الزاد إذ سوقه عظيم ونخله كريم واستبشر الناس بوصولهم إلى هذا المحل لأنه أول بلاد الحجاز بالعمارة وفيها قرى كثيرة ومزارع ونخل وعيون جارية وهو انتهاء موضع وصله صلى الله عليه وسلم وفيه أخبار

Sayfa 439