إن كان كذلك فما هو إذا ذاك الخيال الذي يسمعني في حفيف غصون الأرز صوت مليك أورشليم وبنيها؟ ما هو الاتصال السري بين روح الأشجار وروح الشعراء والأتقياء من الناس؟ لا أتعمد الغموض في ما أقول، ولكنه يخيل لي أن بذرة من بذور الإيمان ونقطة من ينبوع الحب تقعان من يد الإنسان وقلبه عند أصول شجرة يقدسها فتختلطان وإياها، فتنموان في غصونها، وتنوران في زهرها، وتثمران في ثمارها، وتتصاعدان بخورا في صحفها، وأحيانا تحرض في قطرها وتسوس في لبها.
الحب خالد، وللأشجار التي يخصها الأنبياء والشعراء بحبهم روح سامية خالدة، وإن أرز لبنان لمن هاته الأشجار الحية الخالدة الناطقة بسر من أسرار الطبيعة والحياة، إن فيها شيئا إلهيا وأشياء بشرية روحية.
أصوات السكينة
من المشاهد الطبيعية ما يستوقف القلب، ومنها ما يستوقف القلب والعقل معا، ومشاهد لبنان المشهورة من هذه التي تحير الإنسان فتعقل منه اللسان.
على كتف وادي قاديشا أو عند مغارة أفقا أو في ظلال الأرز يقف المرء ساكتا خاشعا مدهوشا، ولا غرو فإن لهاته المشاهد الجليلة مزية معنوية فوق مزيتها الطبيعية المدهشة، أجل إن فيها من آثار تاريخ الإنسان وأديانه ومن تذكارات خرافاته وأباطيله ما لا تمحوه يد الدهر ولا تدرسه السيول والأعاصير.
ومن هذه ما نراه عند مغارة أفقا تحت جفن الجبل القائم حولها كقلعة من قلاع الفينيقيين، هناك آثار هيكل بناه الرومان للزهراء وشجرة جوز وارفة الظلال يقدسها المتاولة المقيمون اليوم في ذلك الوادي، وفوق هاته الشجرة وذاك الظل تخيم سكينة رهيبة عجيبة يتخللها نقيق الضفادع وتغريد الحساسين وحفيف أجنحة النسور، وهذه - لعمري - أصوات السكينة التي تدفن فيها عقائد الإنسان وأضاليله.
كان الرومان في أفقا وكانت الزهراء، كان الإنسان في ذاك الزمان يعبد الجمال وكان الجمال ينبوع ملذات الإنسان ومبراته، ومصدر ما تسامى من آدابه وفنونه، واليوم في أفقا يوم التعاويذ بل يوم أولياء الجوز والجميز! أسفي على امرئ يدب حول جذور الدين في قيود من الإيمان صدأى، فإن ما بقي من إدراكه وأمله لشبيه بتلك الرقاع البالية التي يعقدها في أغصان الجوزة ليقيه وليها من تصاريف الدهر وكوارث الزمان، رقعة بالية، على شجرة عالية، في ظل مغارة الجهل والخوف والغرور. أهذا ميراثك يا ولي الجوزة؟ ألا يسمعك الحسون شيئا من نشيد عباد الزهراء؟ وأنت يا ربة الحب والجمال ألا تسمعين في نقيق الضفادع بكاء عباد هذا الوادي؟ أولا تسمعين همس الحكمة الأزلية في حفيف أجنحة النسور؟
وقفت بين حجارة هيكلك عند الجوزة فرأيت حجرا كبيرا كأنه رأس صنم، في فمه وعينيه شيء من التراب وقد نبتت فيه ونورت أزهار العصفر البيضاء والصفراء، وسمعت الصنم يخاطب الجوزة فيقول: أجمل الرومانيات قبلنني وهذي أزهار حبهن في فمي.
فقالت الجوزة : أعظم الكائنات عروسي، حجابها الربيع وجلبابها الصيف، وأزهاري وثماري من نور حبها وحرارته.
فقال الصنم، ولكن الإنسان يشوه أغصانك برقاع خرافاته وأباطيله.
Bilinmeyen sayfa