وسارت بتؤدة إلى حجرة الملك التي يخلو فيها بنفسه، واجتازت بابها الكبير. وكان فرعون يجلس في الصدر يفصله عن الباب أربعون ذراعا، حملت من آي البلهنية والفن ما لا تصدقه العيون. ولم يكن الملك يتوقع رؤيتها، وكانت مضت أيام عديدة على آخر لقاء، فقام واقفا دهشا، واستقبلها بابتسامة دلت على الارتباك، وقال وهو يشير إليها بالجلوس: أسعدتك الآلهة يا نيتوقريس .. لو علمت برغبتك في مقابلتي لبادرت إليك!
فجلست الملكة في هدوء وهي تخاطب نفسها قائلة .. من أدراه أني لم أرغب في لقائه طوال هذه الفترة؟! ثم وجهت إليه الخطاب قائلة: لا داعي لإزعاجك أيها الأخ؛ فإني لا أجد غضاضة في الانتقال إليك ما دام الذي يحركني واجب.
ولم يلق الملك إلى كلامها بالا، لأنه كان يحس بحرج شديد، وقد تأثر لمجيئها وجمود وجهها، فقال: إني خجل يا نيتوقريس.
وعجبت لطرقه هذا الموضوع، وكان آلمها ألما خفيا أن تراه في منتهى السعادة والصحة، كالزهرة الناضرة، فقالت بانفعال رغم ضبط عواطفها: يهون لدي كل شيء إلا أن تخجل!
وكان أرق المس يهيجه، ويرده من حال إلى حال، فعض على شفته وقال: أيتها الأخت، إن الإنسان هدف لأهواء طاغية. وقد يهوي لإحداها فريسة.
وطعنها اعترافه بقسوة في كبريائها وعواطفها، فنسيت حلمها وقالت بصراحة: يحزنني وحق الرب، وأنت فرعون، أن تشكو الأهواء الطاغية.
وأحس الملك الغضوب بوخز كلامها، فأهاجه الغضب، واندفع الدم إلى رأسه، فانتفض واقفا ينذر وجهه بالشر. وخشيت الملكة أن يفسد غضبه عليها الغضب الذي جاءت من أجله، فندمت على قولها، وقالت له برجاء: أنت الذي سقتني إلى هذا الحديث أيها الأخ، وما لهذا جئت، وعسى أن يفرخ غضبك، أن تعلم أني قصدت إليك لأحدثك في شئون هامة تمس سياسة المملكة التي نجلس على عرشها سويا.
فكظم حنقه، وسألها بلهجة كالهادئة: ما حديثك أيتها الملكة؟
وأسفت الملكة على أن مساق الحديث لم يؤد إلى جو صالح لغرضها ولكنها لم تر بدا من الكلام، فقالت باقتضاب: أراضي المعابد.
فعبس وجه الملك. وقال بامتعاض شديد: أتقولين أراضي المعابد؟ .. إني أسميها أراضي الكهنة! - لتكن مشيئتك يا مولاي؛ فإن تغيير الاسم لا يغير من الأمر شيئا. - ألا تعلمين أني أكره أن يعاد علي هذا الاسم؟ - إني أحاول ما لا يستطيعه غيري، وهدفي الخير والإصلاح.
Bilinmeyen sayfa