فروى لي الشقيق في إيجاز عن أخيه - وهو لا يشير إليه باسم الأحدب كما كنت أشير - بل يسميه باسمه الحقيقي، وهو رياض، فقال: كان أخي رياض لم يزل في سن باكرة من شبابه حين أوشكت كلية غوردون الثانوية أن تنحرف به إلى عمل متواضع يؤديه لحكومة السودان؛ إذ إن تلك الكلية لم تنشأ أساسا إلا لتغذية الحكومة بمن تريدهم من العاملين على اختلاف الأنواع؛ من عمل فني أو مهني إلى عمل كتابي أو غير كتابي؛ فأسرعت الأسرة بإرساله إلى القاهرة ليستأنف دراسته، ولحقت به أنا بعد قليل، حيث عدنا إلى متابعة السير على طريق واحد.
وما هو إلا أن فرغنا من المرحلة الثانوية، وكان علينا أن نختار من المدارس العليا القائمة عندئذ ما يطيب لنا أن نختار - وتلك المدارس العليا هي التي تحولت بعد قليل إلى كليات الجامعة - وها هنا لعبت الأقدار لعبتها المألوفة، وهي أن تقذف في طريق الإنسان عندما يكون في مفترق الطرق، ما يميل به إلى هذا الطريق أو ذاك، فترى الإنسان في أمثال هذه المواقف الحاسمة قابلا للتأثر بأوهى العوامل.
ولقد شاءت المصادفة أن يكون لنا قريب تخرج من مدرسة المعلمين العليا ويعمل بالتدريس في إحدى المدارس الثانوية، لكنه كان من ذلك الصنف الذي يجيد حسن المظهر، وكان الوقت أوائل الصيف، عندما انعقدت في القاهرة لجان التصحيح للشهادات العامة، وجاء صاحبنا من مدرسته التي يعمل بها - وأظنها كانت في الإسكندرية - ليشارك في لجان التصحيح، ورأيناه نحن عندئذ نزيلا في فندق ممتاز، ويلفت الأنظار بروعة هندامه، وارتفاع المستوى الذي يتحرك فيه كلما قضى سهرة هنا أو جالس بعض أصدقائه هناك، حتى لقد خيل إلينا أنه النموذج الحي لما نريد لحياتنا أن تكون عليه.
وإذن فقد انحل الإشكال وتحدد أمامنا طريق الاختيار، وهو أن نسلك الطريق نفسه الذي سلكه صاحبنا؛ فإلى مدرسة المعلمين العليا بغير تردد؟
ولم نكن في هذا الاختيار على ضلال؛ لأن طريق المعلمين العليا - بالنسبة إلى طلاب الدراسة الأدبية - لم يكن عندئذ ينافسه طريق آخر لمن أراد أن يضمن لنفسه «وظيفة» بعد تخرجه؛ ولا غرابة أن كانت «الدفعة» التي شملتنا ممن دخلوا مدرسة المعلمين العليا في ذلك العام (1926) تحتوي على نسبة كبيرة جدا من أصحاب المجموعات العالية في امتحان «البكالوريا». •••
سار شقيق الأحدب بالحديث إلى هذا المدى القصير، ولأمر ما أخذه القلق وأراد أن يترك الرواية للأحدب نفسه، لا سيما ومطلب الباحث هو العوامل الداخلية التي عملت على تكوينه؟ فحتى هذا التوءم الروحي له - أعني شقيقه - قد تخفى عليه الخلجات الباطنية ولا يرى من الأمر إلا ظواهره، ولقد تعهد لي أن يصلني بأخيه الأحدب على النحو الذي يشق أمامنا الطريق، وذلك ما حدث.
وابتسم لي الأحدب كأنما أراد أن يسألني: أين كنت؟ وفيم اللجوء إلى أخي؟ ولم يكد أخوه يتركنا وحدنا حتى دار بيننا حديث مقتضب في أمور مختلفة، استطعنا بعدها أن نضع أنفسنا في موقف نستأنف به الرواية عند النقطة التي ختم بها أخوه حديثه، قال: أربع سنوات قضيتها في مدرسة المعلمين العليا. كانت هي التي وضعت لي أساس التحصيل العلمي الغزير، وهي التي أمدتني بمجموعة الأصدقاء الذين كانوا هم العالم الصغير الذي أحاطني بعوامل الحب والتنافس معا، وهي التي بذرت في نفسي تذوق الأدب والفن، وهي التي وضعت أمامي عددا من النماذج البشرية التي أحتذيها ومن النماذج التي أنفر منها وأجتنبها، وهي التي كانت بمثابة المرحلة التحضيرية الحقيقية لمستقبلي كله قارئا أو كاتبا.
كانت الأسرة - والوالد بصفة خاصة - قبل ذلك هي المحيط المؤثر بكل ما فيه من حوافز تحفز ومحيطات تؤدي إلى الكساح؛ وأما بعد ذلك فالمحيط المؤثر هو تلك المدرسة بما ذكرته عنها؟ ولعلي لا أخطئ كثيرا لو أجملت أثر المرحلتين في نفسي فقلت إن عوامل الحفز في المرحلة الأولى كانت على سبيل التحدي؛ وأما عوامل الحفز في المرحلة الثانية فقد جاءت عن طريق التنافس والطموح الإيجابي الذي لا يتحدى أحدا بذاته، ولكنه يريد المزيد ويريد الصعود لذات الزيادة والارتفاع، وكانت الحلقة الواصلة بين المرحلتين هي أخي توءم الروح - كما قيل لك عنه بحق - فقد كان معي في المرحلة الأولى ونحن نتحدى العوامل التي تحيط بنا معا، كما كان معي في المرحلة الثانية ونحن نطمع في مزيد ونطمح إلى صعود ...
سكت الأحدب، وانقبضت أسارير وجهه وسرح ببصره إلى السماء، وفوجئت بهذا التغير الغريب؛ حتى لقد نظرت أنا الآخر إلى حيث اتجه ببصره لأرى إن كان هناك ما استدعى ذلك التغير، لكن لا شيء، إنها طبيعته المتقلبة بين انبساط سهل وانقباض بائس، ولماذا لا أقول: إن هذه الطبيعة نفسها هي طبيعة المصري، وكل ما في الأمر عند الأحدب أن تلك الطبيعة المتأرجحة بين بسط وقبض قد تطرفت فوضحت معالمها، إنك لا تدري أين الصواب حين تريد وصف الطبيعة المصرية؛ أتقول عنها إنها سهلة منبسطة ضاحكة في غير تعقيد؟ أم تقول عنها إنها مأساوية حزينة؟ أقول: إنك لا تدري أين الصواب هنا؛ إذ يبدو أن الصواب فيهما معا. وحسبك أن تقف أمام التماثيل المصرية القديمة لترى جهامة الجد قد عبست بها الجباه، لكن الشفاه مع ذلك تفتر عن ابتسام، هو أقرب إلى ابتسام الساخر من الحياة؟ ألا ما أكثر ما يوصف المصري أو يصف نفسه بالمرح ولذع النكتة، وما أكثر كذلك ما سألت نفسي: أصحيح ما يوصف به المصري من مرح؟ إني لا أراه كذلك؛ وإلا فأين جانب المرح في نتاج أدبائه؟ وأما النكتة اللاذعة فلا ريب في شيوعها، ولكنها على الأغلب نكات المرارة والإحباط.
وصديقنا الأحدب مصري صميم، فيه ما في طبيعة مصر التي ربما حددت معالمها خضرة الزرع في الوادي ملاحقة لصفرة الرمل في الصحراء؛ فبين اللونين خط فاصل حاد لا يتدرج في هذه الناحية أو في تلك، وبذلك تجاوزت نفس المصري حالة الأمل الضاحك وحالة اليأس العابس، ينتقل من إحداهما إلى الأخرى بغير تمهيد وبلا تدرج.
Bilinmeyen sayfa