116

Nisvar-ul Muhadere ve Haber-i Müzakereler

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Soruşturmacı

مصطفى حسين عبد الهادي

Yayıncı

دار الكتب العلمية

Baskı

الأولى

Yayın Yılı

1424هـ-2004م

Yayın Yeri

بيروت / لبنان

وبلغني أن آخر ، أسرع في ماله ، فبقيت منه نحو خمسة آلاف دينار ، فقال : أريد أن تفنى بسرعة ، حتى انظر أي شيء أعمل بعدها . فعرضت عليه أشياء من هذا الجنس ، فلم يردها . فقال له بعض أصحابه : تبتاع زجاجا مخروطا بالمال كله ، إلا خمسمائة دينار ، وتعبيه ، ويكون في نهاية الحسن ، وتنفق الخمسمائة دينار في يوم واحد ، في جذور المغنيات ، والفاكهة ، والطيب ، والشراب ، والثلج ، والطعام ، فإذا قارب الشراب أن يفنى ، أطلقت فارتين في الزجاج ، وأطلقت خلفهما سنورا ، فيتعادى الفار والسنور في الزجاج ، فيتكسر جميعه ، وتنهب الباقي . فقال : هذا طيب . فعمل ذلك ، وجلس يشرب ، فحين سكر ، قال : هي ، وأطلق الرجل الفارتين والسنور ، وتكسر الزجاج ، وهو يضحك ، ونام . وقام الرجل ورفقاؤه ، فجمعوا ذلك الزجاج ، وعملوا من قنينة قد تشعثت قدحا ، ومن قدح قد تكسر برنية غالية ، ولزقوا ما تصدع ، وباعوه بينهم ، فرجع عليهم منه دراهم صالحة اقتسموها ، وانصرفوا عن الرجل ، فلم يعرفوا خبره . فلما كان بعد سنة ، قال صاحب المشورة ، بالزجاج والفار والسنور ، لو مضيت إلى ذلك المدبر ، فعرفت خبره . فجاء ، فإذا هو قد باع قماش بيته ، وأنفقه ، ونقص داره ، وباعها ، وسقوفها ، حتى لم يبق إلا الدهليز ، وهو نائم فيه ، على قطن ، متغط بقطن قد فتق من لحف وفرش ، بيعت وبقي القطن ، فهو يتوطاه ، ويتغطى به من البرد . قال : فرأيته ، وكأنه سفرجل بين القطنين . فقلت : يا ميشوم ، ما هذا ؟ قال : ما تراه . فقلت : في نفسك حسرة ؟ قال : نعم . قلت : ما هي ؟ قال : أشتهي أن أرى فلانة ، مغنية كان يعشقها ، واتلف أكثر المال عليها . قال : وبكى ، فرققت له ، وأعطيته من منزلي ثيابا ، فلبسها ، وجئنا إلى بيت المغنية ، فقدرت أن حاله قد ثابت ، فدخلنا إليها ، فحين رأته ، أكرمته ، وبشت به ، وسألته عن خبره ، فصدقها عن الصورة . فقالت له في الحال : قم ، قم . قال : لم ؟ قالت : لئلا تجيء ستي وتراك وليس معك شيء فحرد علي لم أدخلتك ، فاخرج إلى برا حتى أصعد أكلمك من فوق . فخرج ، وجلس ينتظر أن تخاطبه من روزنة في الدار إلى الشارع ، وهو جالس . فقلبت عليه مرقة من قدر سكباج ، وصيرته آية ونكالا ، وضحكت . فبكى ، وقال : يا أبا فلان ، بلغ أمري إلى هذا ؟ أشهد الله ، وأشهدك أني تائب . قال : فأخذت أطنز به ، وقلت : أيش تنفعك التوبة الآن ؟ قال : ورددته إلى بيته ، ونزعت ثيابي عنه ، وتركته بين القطن ، كما كان أولا ، وحملت ثيابي ، فغسلتها ، وأيست منه ، فما عرفت له خبرا ، نحو ثلاث سنين . فأنا ذات يوم ، في باب الطاق فإذا بغلام يطرق لرجل راكب ، فرفعت رأسي إليه ، فإذا به على برذون فاره ، بمركب خفيف مليح فضة ، وثياب حسنة ، ودراريع فاخرة ، وطيب طيب ، وكان من أولاد الكتاب ، وكان قديما أيام يساره يركب الدواب من الدواب أفرهها ، ومن المراكب أفخرها ، وآلته وثيابه ، وقماشه أفخر شيء مما كان يقدر عليه ، أو ورثه عن والديه . فحين رآني ، قال : فلان ، فعلمت أن حاله قد صلحت ، فقبلت فخذه ، وقلت : يا سيدي أبو فلان . فقال : نعم . قلت : إيش هذا ؟ قال : صنع الله ، والحمد له ، البيت ، البيت ، فتبعته ، حتى انتهى إلى بابه ، فإذا بالدار الأولة ، قد رمها ، وجعلها صحنا واحدا ، فيه بستان ، وجصصها من غير بياض وطبقها ، وترك فيها مجلسا واحدا ، حسنا ، عامرا ، وجعل باقي المجالس صحنا ، وقد صارت طيبة ، إلا أنها ليست بذلك السرو الأول . وأدخلني إلى حجرة كانت له قديما ، يخلو فيها ، وقد أعادها إلى أحسن ما كانت عليه ، وفيها فرش حسن ليس من ذلك الجنس ، وفي داره أربعة غلمان ، قد جعل كل خدمتين إلى واحد منهم ، وخادم شيخ ، كنت أعرفه له ، قد رده ، وجعله بوابا ، وشاكري ، وهو سائسه . وجلس ، فجاؤوه بآلة مقتصدة نظيفة ، فخدم بها ، وبفاكهة مختصرة متوسطة ، وطعام نظيف كاف ، إلا أنه قليل ، فأكلنا ، وبنبيذ تمر جيد ، فجعلوه بين يدي ، وبمطبوخ جيد بين يديه . ومدت ستارة ، فإذا بغناء طيب ، وبخر بعود طري وند جميعا ، وأنا متشوف إلى علم السبب . فلما طابت نفسه ، قال : يا فلان ، تذكر أيامنا الأولة ؟ قلت : نعم . قال : أنا الآن في نعمة متوسطة ، وما قد أفدته من العقل ، والعلم بالزمان ، أحب إلي من تلك النعمة ، هو ذا ترى فرشي ؟ قلت : نعم . قال : إن لم تكن بذلك العظم ، فهو مما يحتمل به أوساط الناس . قلت : نعم . قال : وكذلك آلتي ، وثيابي ، ومركوبي ، وطعامي ، وفاكهتي ، وشرابي ، فأخذ يعدد ويقول في كل فصل : إن لم يكن ذلك المفرط ، ففيه جمال ، وبلاغ ، وكفاية . إلى أن ذكر كل ما عنده ، ويضيف ذلك أمره الأول ، ويقول : هذا يغني عن ذلك ، قد تخلصت من تلك الشدة الشديدة ، تذكر يوم عاملتني المغنية لعنها الله بما عاملتني به ؟ وما عاملتني به أنت ذلك اليوم ، وقلته في كل يوم ، وفي يوم الزجاج ؟ فقلت : هذا قد مضى ، والحمد لله الذي أخلف عليك ، وخلصك مما كنت فيه ، فمن أين لك هذه النعمة ، والجارية التي نغنينا الآن ؟ فقال : اشتريها بألف دينار ، وربحت جذور القيان ، وآمري الآن على غاية الإنتظام والإستقامة . فقلت : من أين هذا ؟ قال : مات خادم لأبي ، وابن عم لنا بمصر ، في يوم واحد ، فخلفا ثلاثين ألف دينار ، فحملت إلي بأسرها ، فوصلت في وقت واحد ، وأنا بين القطن ، كما رأيت ، فحمدت الله ، وأعتقدت أن لا أبذر ، وأن أدبر ، وأعيش بها إلى أن أموت ، وأنفقها على اقتصاد . فعمرت هذا الدار ، واشتريت جميع ما فيها من فرش وآلة وثياب ومركوب وجواري وغلمان ، بخمسة آلاف دينار ، وجعلت تحت الأرض خمسة آلاف دينار ، عدة للحوادث ، وابتعت ضياعا ومستغلات بعشرة آلاف دينار ، تغل لي في كل سنة ، مقدار نفقي ، على هذا المقدار الذي تراه من النفقة ، ويفضل لي في كل سنة إلى وقت ورود الغلات ، شيء آخر ، حتى لا أحتاج أن أقترض ولا أن أستدين ، وأمري يمشي على هذا . وأنا في طلبك منذ سنة ، ما عرفت لك خبرا ، فإني أحببت أن ترى رجوع حالي ، ومن دوام صلاحها ، واستقامها ، أن لا أعاشرك ، يا عاض بظر أمه ، أبدا ، خذوا يا غلمان برجله . فجروا والله برجلي ، وأخرجوني ، ولم يدعوني أتمم شربي عنده ذلك اليوم . وكنت ألقاه بعد ذلك على الطريق راكبا . فيضحك إذا رآني ، ولا يعاشرني ، ولا أحدا من تلك الطبقة . ويبعد في نفسي ، ما حكي من أمر سفاتج الأعراب والأكراد ، والزجاج ، فإن هذا عندي ، لا تسمح به نفس مجنون .

Sayfa 123