Nasraniyya
النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية
İmparatorluklar & Dönemler
Osmanlılar
القسم الأول
في تاريخ النصرانيّة وقبائلها في عهد الجاهليّة
الفصل الأول
تاريخ النصرانية في جزيرة العرب
هيّا بنا الآن بعد هذه المقدمات الوجيزة نبحث عن النصرانية وآدابها بين العرب الجاهلية وهما البحثان اللذان جعلنا الفصول السابقة كتمهيد لهما.
الباب الأوَّل
مبادئ النصرانية بين العرب
قلنا في مطلع كلامنا أنَّ الأفادات التي خلّفها كتبة العرب عن الأديان الشائعة في جزيرتهم قبل الإسلام نزرة قليلة. وهذا القول يصحُّ أيضًا في النصرانيّة مع أنها كانت أقرب إليهم عهدًا فإذا ذكروا الدين المسيحي لا يكادون يذكرون من تاريخه غير شيوعه في بعض القبائل. هذا إذا اعتبرت فصولهم الوجيزة التي خصّوها بالأديان. بيد أنهم في عرض كلامهم عن بعض عادات العرب وقصصهم وأمثالهم لهجاتهم حدا بهم الامر إلى أن يأتوا بمعلومات أخرى عديدة تجدها متفرقة متشعّثة في تآلفهم لم يجمعها حتى الآن العلماء المستشرقون لإنشغالهم بالبحث عن آلهة العرب وعن فك رموز ديانتهم القديمة ونشر ما وجد السائحون في بلادهم من الكتابات الحجريّة في اللغات الحميريذة والنبطيّة والصفوية فضلًا عن اليونانيّة واللاتينية أو ما استخرجوه بالحفر من الآثار بعد مخاطرتهم بالحياة.
وكذلك ورد في كتب نصارى أهل الشرق ولا سيما قدماء الروم والسريان وبعض الكتبة اللاتينيين فوائد شتى عن النصرانية في أنحاء العرب دوّنوها في معرض رواياتهم التاريخية وأوصافهم الاجتماعية ورحلهم العلمية وفي أخبارهم عن أولياء الله القديسين الشهداء أو النّساك المتعبدين في بوادي العرب مما رأوه بالعيان أو استفادواه من شهود عيانيين أو كتبة موثوق بهم فهذه المعلومات أأيضًا عظيمة الشأن غالية الأثمان لم تجمع حتى اليوم تمامًا وإنما روى منها بعض الكتبة فصولًا تحتاج على توسيع وتكملة نخص منها بالذكر الكتب والمقالات الآتية ما عدا ما ذكر من ذلك في التآليف التي عدّدناها سابقًا: ١ أعمال البولنديين: مقالات الأب كربنتيه اليسوعي في النصرانية بين العرب ١- E.Carpentier S.j.: De SS. Aretha et Ruma Commentarius (Acta SS.، X، Octob.، ٦٦١ - ٦٩٧) .
٢ أصول النصرانية في بلاد العرب للعلامة رَيْت.
٢- Wright: Early Christianity in Arabia، London ١٨٥٥.
٣ الشرق المسيحي للأب لوكيان ٣- Lequien: Oriens Christianus.
٤ دي ساسي: مقالة عن تاريخ العرب قبل محمّد ٤- Le Bon de Sacy (S.): Memoire sur l'Hisloire des Arabes avant Mabomet.
٥ تاريخ الدولة العربية بين المسيح ومحمد.
٥- J.J Reiskii: Prima linea Historia Regnorum Arabicorum inter chris-tum et Modammedem.
اعلم أن أقدم الآثار النصرانية كما لا يخفى الأناجيل الأربعة وتاريخ أعمال الرسل للقديس لوقا ورسائل بعض التلاميذ الرب الأوّلين. وكلها من القرن الأول للمسيح كما يقرّ به معظم العلماء من الإباحيين فضلًا عن المؤمنين وإن كان أولئك يخالفون الكاثوليك في تعيين سنة كتابة هذه الأسفار وأصحابها. فهذه الآثار لا تخلو من الدلائل على أن العرب نالوا من أنوار النصرانيّة منذ بزوغ شمسها.
ولعا أول من استحقّ أن ينظم من العرب بين تبعة السيد المسيح أولئك الشيوخ الذين عرفوا بالمجوس الذين فأتوا إلى بيت لحم وأهدوا الرب ألطافهم وسجدوا له في مهده كما أخبر متى في إنجيله (ف٢) . إما كونهم من العرب أو على الأقل يعضهم فلنا على ذلك عدة بيّنات ترجح هذا الرأي إن لم تجزم به قطعيًا. فمن ذلك أقدم نصوص الآباء والكتبة الكنسيين من القرن الثاني للمسيح إلى القرن الخامس الذين يجعلونهم عربًا كالقديس يوستينوس في القرن الثاني في مباحثه مع تريفون. وترتوليان المعلم في كتابيه ضد اليهود (ف٩) وضد مرقيون (ك٣ف١٣) . وكالقديس قبريانوس في القرن الثالث في ميمره عن كوكب المجوس. وكالقديس أبينانوس في القرن الرابع في شرحه لدستور الإيمان (عدد٨) . والقديس يوحنا فم الذهب معاصره في الميمر الثاني على شرح الإنجيل متّى.
1 / 1
وهكذا فسر هؤلاء الكتبة آية أشعيا النبي عن المسيح (ف٦٠ ع٦): "كثرة الإبل تغشاك بكران مدين وعيفة كلذهم من شبأ يأتون حاملين ذهبًا ولبانًا يبشّرون بتسابيح الرب" وسبق داؤد فقال (مز ٧١): "ملوك سبأ يقربون له العطايا". فإن مدين وعيفة وشبأ كلها تدل على نواحي العرب.
وعليها تدل أيضًا الألطاف التي قدّمها هؤلاء المجوس للمسيح أي الذهب واللبان والمر وكلّها من مرافق بلاد العرب. فإن ذهب أنحاء العرب كان مشهورًا وتنبأ داؤد بتقدمته للمسيح (مز ٧١) فقال: "يؤدون إله من ذهب شبأ". أما اللبان والمرّ فلا يكادان يستخرجان من غير جزيرة العرب فيتّجر بها أهلها كلها شهد على ذلك قدماء الكتبة بعد سفر التكوين (٣٧:٢٥) .
ثم يؤيد هذا الرأي قول المجوس في الإنجيل لهيرودس بأنهم رأوا نجم المسيح في لاشرق فأتوا ليسجدوا له. فقولهم "في الشرق" يدلّ على بلاد العرب أكثر من سواهم لوقوعها شرقي فلسطين فضلًا عن ركوب العرب يعرفون بالأسفار المقدّسة ببني الشرق (وبالعبرانية..... بمعناها) بل شاع هذا الاسم عند الرومان واليونان فاشتقوا منه Sarraceni ووزد على ذلك أنّ النجم الذي رآه المجوس هو الكوكب الذي وسبق أنبأهم به بلعام في مشارف مؤاب (سفر العدد ٢٤:١٧) لما قال: "أنه سيطلع كوكب من يعقوب ويقوم صولجان من اسرائيل". فتحققت النبوءة حيث تنبأ بها بلعام مرغومًا فتناقل العرب نبؤته ابنًا عن أب وراقبوا كوكبه حتى رأوه. ولا بأس من كون هؤلاء القادمين إلى مهد المسيح يدعون مجوسًا. فإن هذا الاسم كان يطلق عند العبرانيين على حكماء الشرق عمومًا وكثيرًا ما أثنى الكتاب الكريم على حكمه العرب في سفر أيوب وسفر الملوك الثالث (٣٠:٤) وسفر باروك (٢٣:٣) . وقد شهد كتبة اليونان بأنّ فيثاغورث الفيلسوف رحل إلى جزيرة العرب ليأخذ الحكمة عن أهلها. بل صرّح بلينيوس الطبيعي بأن بلاد العرب كانت بلاد مجوس.
وفي الإنجيل الطاهر شاهدٌ آخر على سبق العرب في معرفة السيد المسيح وذلك ذكر المبشّرون متى (ف٤ عدد ٢٤ ٢٥) ومرقس (٧:٣) ولوقا (١٧:٦) في جملة الجموع المتقاطرة إلى استماع تعاليم الرب أهل آدوم والمدن العشر وما وراء الأردن. فلا شك أن صيته يكون بلغ العرب القاطنين في تلك الجهات. بل ذكر الإنجيل (متى ٣١:٨ ومرقس ٣١:٧) أن المسيح عبر الأردن وتجوّل في المدن الواقعة ما وراء ذلك النهر ومرّ بالمدن العشر (وضع الآيات في بقعة الجرجاسيين. وكان أهل الحضر والمدن من العرب يسكنون تلك الأنحاء فلا يقبل العقل أنهم لم يقتبسوا شيئًا من أنوار ابن الله الكلمة.
ثم ما لبث العرب أن نالوا نصيبًا من الدعوة المسيحية وذلك يوم حلول الروح القدس على التلاميذ في العليّة الصهيونيّة كما اختبر القديس لوقا في سفر الأعمال (ف٢) فإنه صرّح بأنّ العرب كانوا في جملة الذين عاينوا آيات ذلك اليوم الشريف وسمعوا الحواريين يتكلّمون بلغتهم العربية. فلا جرم أنّ بعضًا منهم كانوا في عداد الثلثة الآلاف المصطبغين ذلك اليوم (أعمال ٤١:٢) فلما عادوا إلى بلادهم نضروا بين مواطنيهم ما رأوا وسمعوا من أمر المسيح وتلاميذه.
وبعد مدة قليلة أثار اليهود على تلامذة الرب تلك الاضطهادات التي ذكرها صاحب الأعمال (ف٨) فكانت على شبه الرياح التي تقوي الشجرة النامية وتؤصل جذورها في الأرض وتنقل ب١ذورها إلى أمكنة أخرى فتزداد وتتوفّر. وأول من يذكر من الرسل أنه دخل بلاد العرب هو الإناء المصطفى القديس بولس فإنه أخبر عن نفسه في رسالته إلى أهل غلاطية (ف١ع١٧) أنه بعد اهتدائه إلى الإيمان بظهور السيد المسيح له على طريق دمشق واعتماده على يد حنانيّا التلميذ الذي هرب من دسائس اليهودإلى جزيرة العرب حيث أقام مدة. فمن البديهي أنّ ذلك الرسول الذي خصّه الله بدعوة الأمم باشر منذ ذاك الحين بالتبشير إلى النصرانيّة من رآهم من العرب مستعدين لقبول دير الخلاص لئلا يحل به ذاك الويل الذي كان يوجس منه فزعًا حيث قال (١ كور ١٦٩) الويل لي إن لم نبشر. عليه فنصادق على قول الذين يجعلون بولس الرسول كأحد رسل العرب. وقد عدّه بعض كتبة الروم كأول الدعاة على المسيح في بصرى حاضر حوران.
1 / 2
ولما جرى نحو السنة خمسين للمسيح افتراق الرسل إذ ساروا إلى قطار المعمور ليقوموا بمهمة التبشير التي أمرهم بها سدهم كان لبلاد العرب نصيب حسن في هذه القسمة المباركة فإن التقاليد القديمة تتواصل وتتفق على أن بعض الرسل تلمذوا أمم العرب وقبائلهم من جهات مختلفة وقد جمع العلّامة يوسف السمعاني في مكتبته الشرقية في المجلد الثالث القسم الثاني (Bibl. Or. III٢، I-٣٠) كثيرًا من شواهد كتبة اليونان الشام وجهات طور سيئا واليمن والحجاز والعراق يذكرون منهم متى وبرتلماوس وتدّاوس ومتّيّا وتوما. وقد نقل بعض هذه الشواهد المؤرخين المسلمون نفسهم كالطبري في تاريخه (ج١ص ٧٣٧ ٧٣٨) وأبي الفداء في تاريخه (٣٨:١ والمقريزي في الخطط (٤٨٣:٢) وابن خلدون في تاريخ العبر (٤٧:٢) والمسعودي في مروج الذهب (١٢٧:١) . هذا فضلًا عن بعض تلاميذ الرسل كفيليبس الشمّاس وتيمون وادي أو تدّاي ممن تناقل الرواة خبر بشارتهم بين العرب.
وكفى دليلًا بهذه الشواهد المتعددة على أن الدعوة النّصرانية التي امتدّت إلى أقاصي المعمر لم تهمل جزيرة العرب القريبة بسكانها امتزاج الماء بالروح فيعاملونهم ويتاجرونهم.
وقد ذكر القديس ايرونيموس في شروحه على نبوة ارميا (ف٣١) ونبوة ذكريا (ف١١) أنّ أسواقًا سنويًا كانت تقام قريبًا من سيحم (نابلس) يأتي إليها عدد عديد من نصارى ويهود ووثنيين يقصدونها للمتاجرة من بلاد الشام وفينيقية والعرب. فلا تتعدى إذن طورنا إن أكدنا انتشار النصرانيّة في بلاد العرب منذ عهد الرسل. وبذلك تحققت نبؤات الأنبياء الذين سبقوا وتنبّأوا باهتداء العرب وإيمانهم بالمسيح. قال النبي أشعيا بعد وصفه العجيب للسيد المسيح (ف١١ ع١ ١٠) ذاكرًا للشعوب التي تقبل شريعته فجعل منها آدوم ومؤاب. وكرر ذلك في الفصل ٤٢ وعدّد قبائل قيدار وبلاد سلع (Petra) وفي الفصل ٦٠ ذكر بين المستنيرين بأنوار أورشليم وملكها الموعود مدين وعيفة وسبأ وقيدار والنبط وفيه يذكر قدومهم على المسيح ليهدوه الطافهم من ذهب ولبان.
وكان النبي داؤد (في مزموريه٦٧ ع٣٢ و٨٠:٧١ ١٠) سبق أشعيا في ذكر سجود العرب للمسيح وطاعتهم له. ومثلما ارميا في فصله التاسع حيث ذكر "افتقاد الرب للأمم المختونين مع الغلف ... أدوم وبني عمّون وموآب وكلّ مقصوصي الزوايا الساكنين في البريّة".
وفي السنة ٧٠ للميلاد تمت نبوة المسيح عن خراب أورشليم فلم يبق فيها حجر على حجر وتفرّق بقايا اليهود شذرمذر بعد أن قتل منهم وسبي الألوف ومئات الألوف الّا أن من كانوا تنصّروا منهم كانوا بأمر الرب سبقوا أو خربوا من المدينة وعبروا الأردن وسكنوا في مدن العرب التي هناك كما أخبروا أسابيوس المؤرخ (١. فاستوطنوا تلك الأسقاع وكان يرعاهم أساقفة من جنسهم. وقد وجد أصحاب الآثار في أيامنا عددًا دثرًا من كتبهم الدينيّة كالأناجيل الأربعة وبعض أسفار التوراة وقطعًا طقسية وأناشيد وصلوات وغير ذلك مما يشهد على نصرانيتهم وسكناهم زمنًا طويلًا في تلك النواحي. وهذه البقايا كانت مكتوبة باللغة الفلسطينية أي الآرامية الشائعة في فلسطين. ولا ريب أن العرب الذين حلّ بينهم هؤلاء النصارى أخذوا شيئًا من تعاليمهم واستضاؤوا بأنوار دينهم وإذا استفتينا أقدم آثار النصرانية وما كتبه آباء الكنيسة الأولون في القرون الأولى للميلاد وجدناهم يذكرون الدعوة المسيحية في جزيرة العرب إما تعرضًا وإما تصريحًا فمن تنويههم بذلك قولهم بأن الإيمان المسيحي "منتشر في العالم كله" فإن صح هذا القول في البلاد القاصية حتى الهند والعجم وجزائر البحر أفلا يكون أيضًا صح بالحري في بلاد العرب المجاورة لمنبع الدعوة المسيحية. فترى القديس مرقس في آخر إنجيله (٢٠:١٦) مؤكدًا بأن تلاميذ الرب "خرجوا وكرزوا في كل مكان والرب يعمل معهم ويثبت الكلام بالآيات" وبعده بقليل كان يشكر بولس الرسول أهل الرومية في رسالته غليهم (٨:١) "على أن إيمانهم يبشروا به في العالم كله". وفي رسالة القديس اغناطيوس النوراني تلميذ الرسل إلى أهل أفسس (PP. GG.، V، col. ٦٤٧) يذكر "الأساقفة الذين يرعون المؤمنين في العالم كله ويتفقون جميعًا بالإيمان". ومثله معاصره القديس بوليكربوس الذي كان يدعو المسيح "راعيا
1 / 3
ص للكنيسة الكاثوليكية المنتشرة في العالم كله" (ibid.، col. ١٠٣٥) فهذه النصوص وغيرها كثيرًا تثبت صريحًا انتشار الدين المسيحي في الألم كله فتشمل أيضًا بلاد العرب ولولا ذلك لما أمكن القديس أوغسطينوس أن يقول في شرحه على المزمور ٦٦ (PP.LL.T.٣٦،COL.، ٦٦٩) "ونحن الكاثوليك منبثون في الأرض كلها لأننا نعلن بكل مكان ما للسيد لمسيح من المجد ونشترك به" ولما استطاع قبله كيرس الأورشليمي أن يقول في تعليمه الثامن عشر (PP.GG.،T. ٣٣،COL.١٠٤٣): "تدعى كنيستنا كاثولوكية لأنها منتشرة في كل المسكونة من أقاصي تخوم الأرض إلى أقصى حدودها". وسبقها القديس قبريانوس فقال في كتاب وحدة الكنيسة (PP. LL.، IV.COL.٥٠٢): "أن الكنيسة تلقي أشعتها في كل المعمورة". وقال معاصر القديس إيريناوس في كتابه ضد المراهقات (PP. GG. VII>COL. ٥٥٠): "أن الكنيسة المنتشرة في سائر العلم قد ورثت الإيمان من الرسل وحفظته بكل حرص".
وزاد هؤلاء إيضاحًا في أواسط القرن الثاني للمسيح القديس يوستينوس الشهيد من أهل نابلس في مباحثته مع تريفون اليهودي (PP. GG.، VI. COL.٧٥٠) فعدّ بين دانوا بدين المسيح "الساكنين في الخيم وأهل البادية" قال: "ليس مطلقًا جنس من البشر سواء كانوا من اليونان أو البرابرة وبايّ اسم تسمّوا حتى العائشين في العربات (الاسقيثيين) والساكنين في الخيم الذين يرعون المواشي وأهل البادية الذين لا يحلون في بيت الّا وبينهم جموع يقدمون الصلوات والقربات للرب باسم يسوع المصلوب" وقال إيريناوس معددًا الشعوب التي دخلت بينهم النصرانية (PP. GG. VII. COL. ٥٥٤) وقد دعا العرب بأهل الشرق كما روى مفسّروه: "هذا الإيمان المسيحي هو اليوم منبث في العالم كله ... فترى الألسنة مختلفة والنفس واحدة والقلب واحد سواء اعتبرت آل جرمانية أو الايبريين أو القلتيين أو سكّان الشرق أو مصر أو ليبية والأمم التي في أواسط الدنيا فكلهم يعتقدون اعتقادًا واحدًا يشبه إيمانهم التي تضيء العالم كله وهي واحدة".
وللمعلم ترتيليان في أوائل القرن الثالث نصوص متعددة يؤكد انتشار النصرانية بين كل شعوب زمانه مهما كانت بعيدة أو مجهولة فما قولك بالعرب؟ قال في كتابه إلى الأمم (Ad Nationes، c.٨) "تأملوا أنه لا يوجد اليوم أمة إلا ودخلت النصرانية (non ulla gens non christiana) . وفي الفصل السابع من رده على اليهود يعدد في جملة المتنصرين ليس فقط الأمم الخاضعة للرومان ولكن غيرها كثيرة كالسرماتيين والداقيين والجرمانيين والاسقيثيين وقبائل مجهولة وأقطار متفرقة وجزائر البحر ففيها كلها يعرف اسم المسيح وفيها يملك" وكثيرًا ما دعا الكتبة جزيرة العرب باسم الهند لاسيما الجهات اليمن وقد شاع هذا الاسم بهذا المعنى (اطلب البولنديين في المجلّد العاشر من أعمال القديسين من شهر ت١ص ٦٧٠) . وإليها أشار القديس يوحنا فم الذهب في رده على اليهود (PP.GG.، XXX. ٥٠٠) قال: "انظر بأي سرعة انتشرت الكنيسة في كل أطراف المسكونة وبين كل شعوب وذلك بمجرد فضل الاقناع حتى أن أممًا كثيرة تركت أديانها وتعاليم أجدادها وشيدت هياكل لتعبد فيها الرب فمنها ما هو واقع في ممالك الرومان كالاسقيثيين والمغاربة وأهل الهند ومنها ما هو خارج عن تخوم الرومان إلى جزائر بريطانية وأقاصي العالم".
وبعضهم قد دعوهم صريحًا باسم العرب أو الاسماعليين.
1 / 4
قال ارنوبيوس في القرن الثالث للمسيح يذكر الشعوب الوثنية التي بشّر بينها الرسل فأنشئت الكنائس لمن تنصّر منهم (ك٢ ف٥ و١٢): "انظر العجائب التي جرت في أنحاء المعمورة منذ ظهور المسيح حتى أنه لا يكاد يوجد الآن أمّة عريقة بالهمجية إلّا لطّفت خشونتها محبّة به واخضعت عقلها للإيمان بتعاليمه فاتفقت على ذلك أجيال الناس المتباينة المختلفة طباعًا وآدابًا. ومما نقدر أن نحصيه من هذه الشعوب أهل الهند والصين والفرس والماديين والذين يسكنون في بلاد العرب ومصر وجهات آسية وسوريا. وفي كل الجزائر والأقاليم".فترى أنه أحصى بلاد العرب في جملة دان للمسيح في ذلك العهد. وقد ذكرهم المؤرخ سوزمان (PP.GG.T، ٦٧، ١٤٧٦) في القرن الرابع وأفاد "أن بعض قرى العرب ودسا كرههم يوجد فيها أساقفة". وكذلك صرّح بذكرهم تاودوريطس في القرن الخامس في كتابه المعروف بدواء اضاليل اليونان (PP. GG. T، ٨٨، P. ١٠٣٧) قال: "ليس فقط قد خضعت للمسيح الأمم الخاضعة لشرائع الرومان كالحبش المتخمين لتيبة وقبائل الاسماعليين ... بل غيرهم من الأمم احنوا رؤوسهم لتعاليم الصيادين وشرائع الإنجيل كالسرماتيين والهنود والعجم والصينيين (Serae) والبريطانيين والجرمانيين". وقال مثل ذلك في محل آخر في كتابة المسمى التاريخ الرهباني (PP. GG. T،. ٨٢، P. ١٤٧١) .
الباب الثاني النصرانية بين عرب الشام إذا نظرت في خارطة إلى بحر الشام وحدّدت مدينتيه الساحليتين طرابلس شمالًا وعكّا جنوبًا ثم سرت منها على خطّين متوازيين على الشرق بلغ بك المسير بعد مرحلتين من طرابلس وثلاث إلى أربع مراحل من عكّا إلى مفارز متّسعة تمتد على مدى البصر إلى جهة تدمر فالفرات شمالًا وإلى مشارف الشام فاللجا وتلال الصفا حتى جبال حوران وسهول البلقان جنوبًا فكل تلك النواحي الرحبة الأرجاء التي تقيس نحو أربعمائة كيلو متر طولًا مثلها عرضًا تعرف اليوم ببادية الشام.
ولم تكن هذه البادية في سالف الأجيال قفرة قليلة السكان لا تكاد تجد فيها كاليوم غير قرى معدودة أو بعض أحياء البدو الذين يتنقلون فيها مع مراشيهم انتجاعًا للمراعي. وإنما كانت بعد تملك الرومان عليها أوائل التاريخ المسيحي أصبحت كروضة غنّاء شيد فيها أصحابها المدن العامرة لسكنى الأهلين وابتنوا الحصون الحريزة تأمينًا للطرق وعزّزوا الزراعة والفلاحة وانبطوا الآبار وحفروا الصهاريج لجميع مياه الأمطار وخدّدوا القني لسقي المزروعات. والآثار الباقية من هذه الأعمال إلى يومان تنطق بعمر أن تلك الأصقاع وحضارتها الراقية.
أما سكّانها فكانوا من عناصر شتى بينهم الرومان المستعمرون لا سيما من الجنود الذين اتمّوا مدّة خدمتهم ثم جالية اليونان من بقايا الدول السابقة منذ عهد الاسكندر والسلوقيين ثم الوطنيّون والفنيقيّون الذين احتلوا تلك البلاد لاستثمارها والمتاجرة فيها وكانت تلك الانحاء أوفق ما يتمناه العرب لسكناهم فترى أهل الحضر منهم يسكنون القرى ويتعاطون اشغال الفلاحة. أما أهل الوبر فكانوا يرعون مواشيهم في الأرياف ويرتزقون بلحومها وألبانها وأصوافها. فيها عددهم حتى رسخت قدمهم وصارت إليهم الأمر.
1 / 5
وكان الرومان في بدء احتلالهم يعدّون العرب كخطر على البلاد لما اعتاده أهل البدو من الغزوات وشن الغارات والسلب والنهب فحاولوا غير مرة كسر شوكتهم غير أنهم عرفوا باختيارهم أنهم لا يظفرون بهم ظفرًا تامًا ما لم يستنجدوهم ويستعينوا ببعض عشائرهم لقطع دابر الشّاذ الباقين منهم. فخالف الرومان شيوخ قبائلهم ودفعوا لبعضهم قسمًا من السلطة على بادية الشام بصفة شيوخ أو ملوك فكانوا يتصرفون مع أهل جنسهم تصرّف السيد مع المسود وربما زاحموا الدولة الرومانية كلما كانوا يشعرون بانتقاض حبلها أو ضعف ولاتها. فترى النبطيين منهم أواسط القرن الأوّل للمسيح متقلدين الحكم على دمشق نفسها كما ورد عن الحارث ملكهم في رسالة بولس الرسول في رسالته الثانية إلى أهل كورنتيه (٣٢:١١) وتبعه في الحكم غيره من النبط. وقد أفادنا تاقيتس المؤرخ في تاريخ طيطس بأن الرومان كانوا اتخذوا في مقدمة جندهم كتيبة من العرب كانوا يتقدمون الجيش في محاربة أورشليم على عهد وسبسيانوس وابنه طيطس. بل كان الرومان يدفعون لبعض الفرق العربية وظائف معلومة ليقوموا بحراسة التخوم الرومانية من جهة البادية. وقد اخبر اميان مرقلينوس (Ammien Marcellin، XXV،٦) في ترجمة يليانوس الجاحد بأن بعض شيوخ هؤلاء المتحالفين قدموا على القيصر وشكوا إليه تأجيل عمّاله في دفع رواتبهم فغضب يليانوس وزجرهم بقوله أنه: أعدّ لهم حديدًا (لقتالهم) لا هبًا (لأجرتهم) . فخرجوا ناقمين على الرومان ولحقوا بجيش العجم وحاربوا يليانوس مع جيش سابور فكانت عليه الدولة.
أما الديانة التي كانت عليها أمم بادية الشام وقبائلها فكانت خلطًا من أديان الوثنية فكان اليونان والرومان أتوا بمعبوداتهم المنوطة بالسيارت كالمشتري وزحل وعطارد والزهرة والمريخ فأكرموها اكرام أجدادهم ومواطنيهم لها في أثينة ورومية.
ونشر الفينقيّون عبادة تمّوز وعشترون والبعل. أما النبط فكانوا يفضلون ذا الشرى (Dusares) واللات وشمس ويتع. ثم اختلطت هذه العناصر المتباينة وتداخلت أديانهم ببعضها وأكرم كل قوم معبودات القوم الآخرين.
وفي غضون ذلك ظهرت النصرانية وقامت لمناهضة تلك الأديان كلها دون أن ترضى أن تختلط بها أو تبادلها بشيء والمرجح أن الدين المسيحي دخل بلاد العرب من غربي الجزيرة من جهة الشام حيث انتشرت بعد صعود المسيح بزمن قليل كما ورد ي سفر الأعمال. ولا يقبل العقل أن بولس الرسول رحل إلى الربية كما جاء في رسالته إلى أهل غلاطية. (١٧:١) دون ان يكون سبقه إليها أحد من المتنصرين أو خلّف فيها أثرًا من دينه.
والظاهر أن النصرانية دخلت أولًا في خاصرة حوران أعني بصرى كما تشير إليه التقاليد القديمة الي تناقلها الكتبة اليونان والسريان ثم العرب المسلمون ومن بعدهم. فقد ورد في جدول دورتاوس الشسوري لتلاميذه السيد المسيح السبعين أن تيمون أحد الشمامسة السبعة المذكورين في سفر الأعمال (٨:٣) نشر الدعوة النصرانية في مدينة بصرى فعدّ كرأس أساقفتها. وفي الروايات التي تداولها الكتبة النصارى عن الرسل وأثبتها السمعاني في مكتبته الشرقية (ج٤ ص١٢٠) أن البعض منهم تلمذوا العرب وخصّوا بهم عرب بادية الشام وحوران كما يظهر من القرائن. وصرّح بالأمر المقريزي في كتاب الخطط والآثار (ج٢ ص٤٨٣) فروى عن متى العشّار "أنه سار إلى فلسطين وصور وصيدا وبصرى". وقال ابن خلدون في تاريخه (١٥٠:٢): "أن برتلماوس بعث إلى أرض العرب والحجاز". أما تدمر وباديتها فذكر سليمان أسقف البصرة في كتابه السرياني المعنون بالنحلة (Budge: Book of the Bee، p.١٠٦) أن يعقوب بن حلفا بشّر فيها.
1 / 6
على أنّ هذه الشواهد في الدعوة النصرانية الأولى في بادية الشام تعم كل عناصر الآهلين ولا تفرز العرب من سواهم فتبقي شكًا في تنصرّهم إلا أن ما يتبع ذلك العهد من الشواهد التاريخية أصرح وأجلى. فقد أفادنا مؤرخو العرب أن القبيلة الأولى التي توات على بادية الشام باسم الرومان إنما كانت قضاعة من قبائل اليمن. ثم غلبتها على الأمر سليح ثم جاءت بعدهما قبيلة غسّان فملكت على تلك الجهات وبقي. ملكها إلى ظهور الإسلام. والحال أن هذه القبائل الثلث قد دانت بالنصرانية على رأي أولئك المؤرخين. قال اليعقوبي في تاريخه (طبعة ليدن ٢٣٤:١) عن قضاعة "أنّ قضاعة أول من قم الشام من العرب فصارت إلى ملوك الروم فملكوهم فكان أول الملك لتنوخ بن مالك بن فهم ... فدخلوا في دين النصرانية فملكهم ملك الروم على من ببلاد الشام من العرب". وكذلك بنوا سليح فقد صرّح بنصرانيتهم المسعودي في مروج الذهب (طبعة باريس ٢١٦:٣) قائلًا: "وردت سليح الشام فتغلّبت على تنوح وتنصّرت فملكها الروم على العرب الذين بالشام" أما نصرانية غسان فهي من الأمور التاريخية الراهنة التي لا يختلف فيها اثنان على أن كاتبًا من البغاددة أغفل اسمه كان تصدّى لنا في هذه المسألة ونشر في المقتبس (٣٨٢:٢) رأيًا خالف فيه جمع المؤرخين وزعم أننا بنسبتنا النصرانية إلى غسان ركبنا شططًا فرددنا عليه بمقالتين ضافيتين نشرناهما في المشرق (٥٥٤:٥١٩:١٠) جمعنا فيها البيّنات اللامعة والشواهد الساطعة التي تثبت تديّن غسّان وأحيائها وملوكها بالنصرانية ولابأس أن يقال غسّان كلها مع امكان وجود بعض أفراد أو عشائر لم يكونوا نصارى فإن الكلام على الأغلبية.
ولإثبات زعمنا أتينا بالأدلة التابعة التي نركن فيها إلى أقوال مؤرخي العرب فقط وكل ذي انتقاد يعلم أنّ كتبة العرب لم يدوّنوا تاريخًا صحيحًا قبل القرن الثامن وإنما نقلنا نصوص كتبة يوثق بهم من يونان ورومان وسريان ممن كانوا معاصر للحوادث التي فصلوا أخبارها وأمكنهم الوقوف على صحّتها أما بالمعاينة أما بصوت العموم.
نصرانية غسّان غسّان قبيلة يمنية قدمت جهات الشام بعد افجار سد وسيل العرم فاستوطنوها ثم تغلبت على أهلها بعد سليح كما سبق فصار إليها الأمر وتبعت قضاعة وسليحًا في نصرانيتهما. والكتبة العرب لسان واحد في إثبات ذلك فإن تتبّعنا آثار النصرانية في كتبهم وجدناهم يذكرون لملوك غسّان الأولين أبنية تدلّ على نصرانيتهم فإن حمزة الأصبهاني في تاريخ الملوك والأنبياء (ص١١٧) يؤكد أن ثاني ملوك غسّان عمرو بن جفنة بني بالشام عدّة ديورة "منها دير هند ودير حالي ودير أيوب" ثم ذكر (ص١١٨) للأيهم بن الحارث بن جبلة أخي المنذر الغسّاني الأكبر أنه "بنى دير ضخم ودير النبوة". ومن المعلوم أن تنصّر الملوك يدلّ عادة على تنصّر رعاياهم. وفي الواقع لا تكاد تجد مؤرخًا عربيًا إلا يشير إلى النصرانية غسّان فالمسعود في مروج الذهب طبعة مصر (٢٠٦:١) وفي كتاب التنبيه والإشراف طبعة ليدن (ص٢٦٥) وابن رسته في كتاب الأعلاف النفسية (طبعة ليدن ٢١٧) وأبو الفداء في تاريخه (٧٦:١) والنويري (Rasmussen،٧٢) وغيرهم لا يدعون في الأمر ريبًا. وقال اليعقوبي من كتبة القرن العاشر للمسيح (في تاريخه ٢٩٨:١): "وأما من تنصرّوا من أحياء العرب فقوم قريش ومن المن طي وبهراء وسليح وتنوخ وغسّان ولخم".
وقال السيوطي في المزهر نقلًا عن كتاب الألفاظ والحروف بأن اللغة العربية لم تؤخذ من قبائل شتى إلى أن قال أنها لم تؤخذ "ولا قضاعة وغسّان وةإياد لمجاورتهم أهل الشام وأكثرهم نصارى يقرأون بالعبرانية" يريد بالعبرانية السريانية الفلسطينية.
وممن أشار إلى نصرانية غسّان النابغة في بائيّته التي مدح فيها ملوك غسّان وأثنى على دينهم وذكر عيد الشعانين فقال: محلَّتهم ذات الإِلهِ ودينُهم قديمٌ فما يرجون غير العواقبِ رقاق النعال طِيّبٌ حجزاتهم يحيَّون بالرَّيحان يوم السباسبِ
1 / 7
هذا ما علق في ذهن العرب عن نصرانيّة غسّان ولعلّه كافٍ ليقنع بشيوع دين المسيح في بادية الشام كلّها لأن كلامهم يدلّ على أنَّ النصرانية بتلك الأصقاع ما كانت محصورة ما كانت محصورة في غسّان بل امتدت أيضًا إلى القبائل العربيّة من أهل الحضر والمدر الذين سكنوا في تلك الأنحاء واختلطوا بمستعمريها. فمن أراد أن يتتبّع تاريخ النّصرانية بينها ينبغي عليه أن يجمع ما دوّنه المؤرخون اليونان والرومان والسريان منذ انتشار الدين المسيحي في تلك الجهات إذ لا يجوز القول بأنّ النصرانية لم تؤثر في غير الأجانب المستوطنين فيها وأقوالهم جديرة بالاعتبار وهم معاصرون للأمور التي كتبوا عنها.
فما رواه أوسابيوس القيصري في تاريخه الكنسي (ك٦ ف١٩) أنّ النصرانيّة كانت في مبادئ القرن الثالث للمسيح راسخة القدم وافرة العدد في بصرى خاصرة حوران. ظ وقد أخبر أوريجانوس المعلّم الاسكندري الشهير أنّه رحل ثلاث مرّات إلى بصرى فالمرّة الأولى استدعاه حاكمها الروماني المدعو جاليوس سنة ٢١٧ ليفقهه تعاليم الدين المسيحي وينصره فجاء أوريجانوس إلى بلاد العرب ملبيًا دعوته وبعد أن أتم مرغوب الحاكم وعمّده رجع إلى الاسكندرية. أما الرحلة الثانية فباشرها أوريجانوس كما أفاد أوسابيوس في تاريخه (ك٩ ف٣٣) بسبب بيرلوس مطران بصرى. فإنّ هذا الرجل كان من مشاهير أساقفة زمانه في بلاد العرب ألف رسائل ومقالات دينيّة أو أدبية فصيحة الألفاظ بليغة المعاني لولا أنّه شطّ في كلامه عن لاهوت السيد المسيح فجرى بينه وبين الأساقفة معاصريه جدال وخصام ولما لم يقتنعوا إلى أوريجانوس ليأتي إلى حوران فيباحث بيرلّوس المذكور ويردّه عن ضلاله فعاد المعلّم الاسكندري إلى حاضرة العرب وبعد أن اجتمع باسقفها وتحقّق شططه عرض عليه الرأي الصحيح وأزال ريبه فجاهر بيرلّوس بخصضوعه للإيمان المستقيم أما مجمع من الأساقفة عقد لذلك وانصرف أوريجانوسش راجعًا إلى السكندرية. ففي التئام هذا المجمع دليل واضح على نفوذ النصرانية في بادية الشام ووجود أساقفة في مدنها كجرش (Gerasa) وربّة عمّان (Philadelphie) .
أما المرة الثالثة التي قدم فيها أوريجانوس الإمام إلى بادية الشام فكانت بسبب بدعةٍ ابتدعاه بعض أهلها فزعموا أنّ النفوس تفنى بالموت كالأجساد ثم تبعث يوم الدينونة معها لتنال الثواب عن أعمالها. فلمّا عرف أوريجانوس بهذا القول أسرع إلى تنفيده في مجمع ضم أربعة عشر أسقفًا وبين أمام الجموع الملتئمة لاستماعه حقيقة تعليم الكنيسة فردّ الضالّين وثبّت الإيمان في قلوبهم وانكفأ منصرفًا إلى مركزه (راجع تاريخ أوسابيوس ك٦ ف٣٧) .
1 / 8
وكان قبل ذلك بمدّة اشتهر مبتدع آخر نصراني من عرب الشام اسمه منيم (Monoimos) كان هذا كطاطيانوس (Tatien) تلميذًا للقديس يستينوس النابلسي والفيلسوف الشهيد لكنّه خلط بين الآراء الفلسفية والإيمان كما ذكر تاودوريطوس في كتاب الهرطقات (Fab. Hear. I.١٨) واتضح مؤخرًا في كتاب القديس هيبوليتس الشهيد المدعو بفيلوسوفومينا (Philosophoumena) ومما يثبت ارتقاء النصرانية واتسلع دائرتها في بادية العرب أنّ منها خرج أول قياصرة الرومان النصارى. ونريد به فيلبّوس العبي الذي ملك على رومية من السنة ٢٤٤ إلى ٢٤٩. وكان أصله من بصرى ثم تجنّد في جيوش الرومان ولم يزل يتقلّب في كل مناصب الجنديّة حتى صار كبير رؤساء العسكر ووزير الحرب وصحب غرديان الثالث في محاربة الفرس. إلا أن الجند شغبوا على الملك في طريقه وأقاموا بدلًا منه فيلبوس العربي. وكان فيلبوس نصرانيًا كما تشهد على دينه الآثار التاريخية ورسائل أوريجانوس أليه. وقد زعم البعض أن غورديان قتل بإغرائه ألا أن غيرهم ينكرون ذلك بتاتًا ولعله لم يخل من الطمع فلم يدافع عن مولاه كما وجب عليه ولذلك اخبر أوسابيوس القيصري (ك٦ ف٣٤) وصاحب التاريخ الاسكندري (Chro-. Nicon Alexandrinum) أنّه لما عاد راجعًا بالمعسكر إلى رومية مرّ بانطاكية وأراد أن يشترك مع النصارى في موسم عيد الفصح إلا أن أسقف المدينة القديس بابيلاس تصدى له ولم يسمح له بمشاركة المرمنين إلا بعد اعترافه بخطاياه وتقدمته التوبة عنها وكانت أيام فيلبّوس العربي أيام راحة وعمران للدولة الرومانية وفي عهده أقيمت الأفراح العمومية في كل المملكة بنسبة مرور ألبف سنة على مدينة رومية ومن أعماله تشييد مدينة "عمّان" في حوران ودعاها باسمه "Philippopolis" ونالت بمهمته النصرانية سلامًا مؤقتًا فانتشرت أي انتشار إلى أن فتك به واحد القوّاد المدعو دقيوس وقتله مع ابنه وتلّى الأمر مكانه.
قال أوسابيوس (ك٦ ف٣٩) أنَّ دقيوس هذا أثار على النصارى اضطهادًا دمويًا بغضًا بفيلبوس سلفه. وفي تاريخ أوروزيوس (أوروشيوس) من كتبة القرن الخامس (ك٧ ف٢١) أنّ دقيوس قيل فيلبوس وابنه بسبب تنصّرهما وعليه يكون موتهما استشهادًا.
وقد جمع البولنديون في أعمال القديسين (Acta SS.Janv.، II، ٦١٧ - ٦٢١) عدّة شواهد تثبت ذلك. فكفى به فخرًا لبلاد العرب أن أول قياصرة رومية المتنصرين كان مولده في ربوعها وسبق قسطنطين في تنصره.
كل ما سبق قد تمّ قبل القرن الرابع فلما نالت النصرانية حريتها وخرجت ظافرة من الدياميس زاد الدين بذلك رونقًا وعزًّا في بادية العرب وكافة مدنها ولنا أدلة على ذلك في الكنائس العديدة التي تشيّدت مذ ذاك العهد بكل أنحاء حوران والصفا واللجا وجولان والبلقان التي وجد كثيرًا من بقايا الجليلة الأثريون الذين تجوّلوا في تلك الجهات كوادنغتون (Waddington) ودي فوكويه (de vogue) ووتشتين (Wetzstein) وراي (Rey) ودوسو (Dussaud) وآباء رهبانيّتنا. وكلهم وصفوا هذه الآثار ورسموا تصاويرها وذكروا تواريخها ومن هذه الآثار مئات من الكتابات اليونانية واللاتينية وجدت في نيف ومائة موضع فيها أسماء كنائس وأساقفة من النصارى وعليها رموز نصارنية لا شك فيها كالصليب في هيئات مختلفة وأول حروف اسم السيد المسيح والانجر وسعف النحل والسمكة. ومنها ما يحتوي شعارًا دينيًا صريحًا كآية التوحيد "الله واحد هو" وتسبحة السيد المسيح "قد انتصر المسيح" أو "المسيح إله هو". وبين تلك الكتابات كتابة عربية سبقت الإسلام خمسين سنة بأحرف عربية تاريخها سنة ٤٦٣ لبصرى أي ٥٦٨ للمسيح وجدت في حرّان وجاء فيها ذكر مشهد أقيم تذكارًا للقديس يوحنا المعمدان على يد أحد شيوخ القبائل العربية المدعو شراحيل وكذلك توفرت شواهد المؤرخين الذين أبقوا لنا ذكر للنصرانية ولامورها الدينية والمدينة في بادية الشام. فمنها جداول الأساقفة الذين حضروا المجامع المسكونية الكبيرة التي سبقت الاسلام وبالأخص الأربعة الأولى في نيقية والقسطنطينية وافس وخلقيدونية فهناك أسماء عدة أساقفة أتوا من مدن بادية الشام وصادقوا على أعمال المجامع بتوقيعهم وأسماء بعضهم عربية محض كالحارث أو منقولة عن العربية كتاودولس تعريب عبد الله وثاودورس تعريب وهب الله.
1 / 9
وكان هؤلاء الأساقفة من أهل الحضر يسكنون مدن بادية الشام. إلا أن غيرهم كانوا يسكنون المضارب ويتنقلون مع القبائل الراحلة الناجعة المتقلبة في المجالات ارتيادًا لمراعي ومصالح أبلها. وقد بلغتنا أسماء بعضهم ممن عرفوا بأساقفة الخيام وحضر بعضهم المجامع الكنسية وامضوا عليها.
واشتهر بعض أساقفة البلاد العربية بما خلفوها من الآثار. منهم القديس طيطس رئيس أساقفة بصرى وضع عدّة تآليف أعظمها شأنًا ما كتبه في تزييف بدعة ماني والمانويين وكانت هذه التآليف مفقودة حتى توفّق إلى اكتشافها في عهدنا بعض المستشرقين فوجدوها في السريانية ونشروها مع ترجمتها. وكان طيطس في عهد يليانوس الجاحد ولم يخف من تحذير شعبه عن كفر ذلك القيصر المارق.
واشتهر في القرن الخامس للميلاد خلفه على كرسيه القديس انطيفاتر صاحب مصنفات عديدة في مواضيع دينية شتى كمقالات في أيضاح الإيمان وميامر في الأعياد وردود على الهراطقة.
وفي تاريخ كتبة اليونان كسوزومان (ك٦ ف٣٨) وروفينوس (ك٢ ف٦) وثاودوريطس (ك٤ ف٢٠) وثاوفان في تاريخ سنة ٣٦٩ وغيرهم من مؤرخي القرن الرابع إلى أواخر السادس للمسيح فصول شتى وأخبار منثورة عن أحوال الدين بين عرب الشام تفيدنا علمًا عن سطوة النصرانية واجتذابها لقلوب أهل البادية لاسيما بواسطة السياح والنسّاك الذين كانوا يعيشون في قفارهم ويخدمون الله كملائكة متقمصين أجسادًا هيولية فكانت فضائلهم العجيبة والكرامات التي تجري على أيديهم من شفاء الأسقام وطرد الأرواح النجسة واستمداد النعم الروحيّة والبركات الزمنية تجذب إليهم أهل المدن والقرى فلا يلبثون أن يسمعوا تعاليمهم ويستنيروا بارشاداتهم ويهتدوا على أيديهم إلى جادة الحق فيطلبوا الاصطباغ بمياه المعمودية.
قال سوزمان في تاريخه (Sozomene، HE، VI، C ٣٨) عن عرب الشام: "قد تنصروا كثير من العرب (هو من يدعوهم بالشرقيين) قبل زمان والنس (من ٣٦٤ إلى ٣٧٨) ممن اجتذبتهم إلى الإيمان المسيحي ارشادات الكهنة والرهبان الذين كانوا يعيشون في النسك والزهد في الأنحاء المجاورة لهم عائشين بالقسدلة ومجترحين المعجزات الباهرة". ثم ذكروا سوزمان ما اشرنا إليه سابقًا في دفاعنا عن النصرانية غسّان اعني رجوع قبيلة كبيرة كان زعيمها يدعى زوكوموس (هو ضجعم) فنال له أحد الرهبان بصلواته إلى الله ولدًا ذكرًا فاعتمد هو وكل قبيلته.
وأردف المؤلف ذلك بخبر ماوية ملكة العرب التي حاربت الرومان وغلبتهم واستولت على بلادهم إلى تخوم مصر ولم ترض بصلحهم إلا على شرط بأن يرسل الرومان إلى مملكتها ناسكًا شهيرًا يدعى موسى خصّه الله بصنع العجائب وبقداسة الحياة فسقف على العرب الذين تحت حكمها وكان عدد النصارى الذين وجدهم في دولتها قليلًا أما فأنار معظم رعاياها وعمّدهم. وقد أخبر ثاودوريطس في تاريخه (ك٤ ف٢٠) أن ماوية هذه توطيدًا للصلح مع الرومان قرنت ابنتها بالزاج مع القائد الروماني فكثور وكانت الفتاة شديدة التحمس في الإيمان.
ومنذ ذاك الحين إذا ورد اسم أحد ملوك غسّان إما في تواريخ السريان وإما في تواريخ اليوانان واللاتين تجد الكتبة لسانًا واحدًا في وصفهم كنصارى يخصّهم الكتبة بالألقاب الشرفية الممنوحة لهم من القياصرة فيدعون بطارقة وأمراء وذوي العز والدولى: وربما زادوا على هذه الألقاب ما دلّ على دينهم فيدعون مؤمنين () ومحبين للمسيح () وكذلك ورد في أحد المخطوطات لندن اسم الكاهن يدعى "كاهن ذي العزّة والمحب للمسيح البطريق المنذر بن الحارث".
وفي القرن الخامس أخذ الرهبان يعيشون عيشة اجتماعية بعد أن كانوا يعيشون منفردين في الأقفار والمرجّع أن الأديرة التي ذكرها حمزة الأصبهاني وأبو الفداء وغيرهما بنيت في ذها الزمان. وكذلك الأديرة التي وصفها ياقوت الرومي غفي معجم البلدان كدير أيوب في حوران (على ما يظنّ وهي بلد أيوب) ودير بونّا ودير سعد ودير البصرى وقد بقي بعض هذه الأديرة مدّة حتى بعد عهد الاسلام ومما زاد النصرانية ترقيًّا في بلاد العرب عدد كبير من الأساقفة والكهنة والرهبان كانوا في أيام الاضطهادات على عهدة القياصرة الوثنيين أو ملوك الروم المتشيعين لا يجدون على حياتهم أمانًا إلا بأن يهجروا بلادهم ويفرّوا إلى أنحاء العرب حيث كان يصعب على المغتصبين أن يدركوهم ويلحقوا بهم الأذى.
1 / 10