وجاء في حوادث شهر جمادى الأول قوله: «وفي يوم الخميس أول جمادى الأولى قدمت مراكب من جهة الصعيد، وفيها عدة من العسكر جرحى، وفي أول شعبان جاءت الأخبار أن مراد بك ومن معه سافروا إلى قبلي ووصلوا إلى عقبة الهواء، وكلما قرب منهم عساكر الفرنسيس انتقلوا إلى قبلي وقد داخلهم خوف شديد ولم تقع بينهم ملاقاة ولا قتال، وجاء في حوادث شهر رجب تواترت الأخبار من ابتداء شهر رجب بأن رجلا مغربيا يقال له: الشيخ الكيلاني كان مجاورا بمكة والمدينة والطائف فلما وردت أخبار الفرنسيس إلى الحجاز، وأنهم ملكوا الديار المصرية انزعج أهل الحجاز وضجوا بالحرم وجردوا الكعبة، وصار هذا الشيخ يعظ الناس ويدعوهم إلى الجهاد ويحرضهم على نصرة الحق والدين وقرأ بالحرم كتابا مؤلفا في معنى ذلك فاتعظ جملة من الناس وبذلوا أموالهم وأنفسهم واجتمع نحو الستمائة من المجاهدين، وركبوا البحر إلى القصير مع من انضم اليهم من أهل ينبع وخلافهم، وورد الخبر في أواخر رجب أنه انضم إليهم جملة من أهل الصعيد، وبعض الأتراك والمغاربة ممن كان خرج معهم مع غز مصر عند واقعة إمبابة ركب الغز معهم أيضا وحاربوا الفرنسيس، فلم يثبت الغز كعادتهم وانهزموا وتبعهم هوارة الصعيد والمتجمعون من القرى وثبت الحجازيون، ثم انكفوا فقلتهم وذلك بناحية جرجا وهرب الغز والمماليك إلى ناحية إسنا وصحبتهم حسن بك الجداوي وعثمان بك حسن تابعه، ووقع بين أهل الحجاز والفرنسيس بعض حروب غير هذه المرة في عدة مواضع وانفصل الفريقان بدون طائل. ا.ه.
هاتان هما الروايتان الموجودتان في كتب التاريخ الفرنسي والعربي أثبتناهما تعريبا ونقلا، وظاهر أن الجبرتي لم يكن يعلم شيئا عن أخبار فتح الفرنسيس لبلاد الصعيد، إلا ما يسمعه من أفواه الناس وما يصل من الأخبار المتقطعة إلى القاهرة، وظاهر أيضا أن هذه المحاربات في الصعيد بين المماليك والأهالي والعرب من جانب، والفرنسيين من جانب آخر، وقعت خلال الحوادث التي أفردنا لها الفصول الآتية، والآن ننتقل إلى نابوليون في القاهرة ونتبعه في غزوته للشام حتى نصل إلى نهاية أمره في أرض مصر.
هوامش
الفصل الحادي عشر
الدور الثاني (أغسطس-22 أكتوبر/10 جمادى الأولى)
من معركة أبي قير إلى ثورة القاهرة الأولى (1) معركة أبي قير البحرية
كانت معركة أبي قير البحرية التي أبصرها «دينون»
1
من برج «أبي مندور» بين الأسطول الإنكليزي الذي يقوده الأميرال نلسون، والأسطول الفرنسي الذي نقل جيوش الحملة الفرنسية لمصر تحت قيادة الأميرال «برويز»، من المعارك الفاصلة في تاريخ الجنس البشري؛ لأن النتائج التي ترتبت على تلك الواقعة كانت على جانب عظيم من الأهمية، بحيث لو أتيح النصر للفرنساويين، أو لو بقيت لهم من أسطولهم قوة تعادل ما لإنكلترا في البحر الأبيض المتوسط من القوة البحرية، لما كانت خاتمة الحملة الفرنسية في مصر كما تمت بعد ذلك، بل لما كانت خاتمة نابوليون في الشرق كله كما حصلت!!
ولو شاء الكاتب أن يضرب بالسهم الأوفر في ميدان التخيلات، وتصور المحتملات، لوجد الباب واسعا لمثل هذه التأملات! فقد كان من الممكن أن تبقى مصر مستعمرة فرنسية منذ ذلك الحين إلى الآن! ولقد كان من الممكن أن ينجح نابوليون في الاستيلاء على عكة والتوسع في مطامعه وأمانيه وآماله في الشرق، كما صرح بذلك «لبورين» في حديث سنأتي عليه، وكان من الممكن - نتيجة لازمة لذلك - أن لا يعود بالسرعة إلى فرنسا ليقبض على صولجان ملكها، ويدوخ الممالك، ويثل العروش، ثم يهوي كما يهوي الشهاب النازل!
Bilinmeyen sayfa