ولما جاء الليل لم يستطع الفرنسيون اقتفاء أثر العدو الهارب فأمر ديزيه جنوده بالراحة.
وعلى الجنرال ديزيه، وهو في البهنسا، أن مراد بك بعد أن أقام في هذه المدينة شهرا غادرها منذ ثمانية أيام وذهب اللاهون بقرب الفيوم حيث يقيم محمد بك الألفي وبعض المماليك، ولا تزال المواصلات بين اللاهون والبهنسا سليمة وأن البكوات عثمان رضوان وعمر ومماليك إبراهيم بك الصغير قد كلفوا بالمحافظة على البهنسا بجيش مؤلف من أربعمائة رجل من المماليك وقبيلتين من العرب، وقد أحضر أولئك العرب منذ ثلاثة أيام من أسيوط وأمروا بحماية الإمدادات التي تأتي من البلاد إلى البهنسا بطريق البحر اليوسفي، أما الجنرال ديزيه فلم يكن معه في هذه الحملة إلا الأورطة الأولى من الفرقة الواحدة والعشرين، أما بقية الفرقة فقد ظلت في المؤخرة.
وقد زحفت العمارة البحرية التي كانت للمماليك في أبي جرج إلى الأمام لتحمي حركات مراد بك وتقدم الجنرال ديزيه إلى ديروط الشريف ليقطع على هذه العمارة خط الرجعة، وتمكن الفرنسيون من إيقاف سبعة وعشرين مركبا محملة حبوبا وخضروات، فلما علم حسن بك قبودان السفن المصرية أن الفرنسيين طردوا المماليك من البهنسا، واستولوا على مقدار وافر من المؤن والذخائر، صعد بمراكبه في النيل قاصدا أسيوط ونزل فيها لينضم إلى مراد بك، أما العمارة الفرنسية فقد وجدت أنه يتعذر عليها السفر؛ لأن القتال كان معوجا والريح شديدة حتى اضطر الجنود أن يجروا المراكب بالحبال في مياه لا يزيد ارتفاعها عن منطقة الرجل، وأعياهم التعب فلم يستطيعوا السير بعد وصولهم إلى ملوي، وحينئذ أرسل الجنرال ديزيه عشرة من قواربه تحمل بعض المرضى من رجاله إلى بني سويف ليعالجوا هناك وظل هو وجنوده يترقبون وصول المماليك، ولكنه لم ير منهم أحدا.
وليس من السهل علينا أن نستمر في وصف تلك المعارك الثانوية المتقطعة، وليس لنا سوى المصادر الفرنسية، فهي بالطبع وجهة النظر الفرنسية، دون سواها كما أنه ليس في مقدورنا أن نقارنها بغيرها، وكم كنا نود أن نضرب صفحا عن هذه المحاربات، ولكن ضرورة ذكرها، لأول مرة في اللغة العربية أجبرتنا على أن نقتصر على ملخص لهاتيك الحوادث قطعة فقطعة، فإذا وجدها القارئ جافة فليعلم أنها رواية حوادث، وسلسلة محاربات متقطعة، وليس في الإمكان صياغتها بشكل آخر.
واعتمادنا في أخبار هذه الحوادث المتقطعة على كتاب «دنيس لاكروا» - المعنون «بونابرت في مصر»، قال بعد رواية ما تقدم:
في 14 أكتوبر شوهدت أول فصيلة من فصائل مراد بك مؤلفة من 150 مملوكا وبعض الأعراب في قرية بني قرة، فقابلتها فصيلة فرنسية مؤلفة من أربعمائة رجل وأكرهتها على الابتعاد عن ضفة النهر ليتيسر للجيش الفرنسي السير.
وفي 5 أكتوبر رأى الفرنسيون قوة أخرى من المماليك عددها ستمائة مملوك يسيرون بنظام على الضفة اليمني لبحر يوسف فأمر الجنرال ديزيه عمارته بالتقهقر نحو نصف فرسخ لكي ينزل منها الجنود، ولم تكد العمارة تنفذ الأمر حتى أرسل العدو فصيلة لتمنع هذه الحركة، ولكن حملة «القربينات» من الفرقة الحادية والعشرين لم تدع هذه الفصيلة تقرب من الشاطئ، ونزلت الفرقة ونظمت صفوفها بدون أن تلقى مانعا، وأمر الجنرال ديزيه في الحال بوضع مدفعين وبزحف الجيش لمقالة العدو، فتقهقر المماليك ببطء أمام الفرنسيين الذين كانوا يصلونهم نارا حامية مدة أربع ساعات، وفقد فرسان المماليك الذين كانوا تحت قيادة محمد بك الألفي بعض خيولهم، وحينئذ أمر الجنرال ديزيه جنوده بالراحة.
وفي 6 أكتوبر واصل الفرنسيون زحفهم وكانت العمارة تتبعهم رغما منشدة هبوب الريح، فرأوا جيش مراد بك قد احتل المرتفعات التي تشرف على النيل، وقد صف مراد بك جنوده وراء المرتفعات على خط طويل، فصف الجنرال ديزيه فرقته على هيئة مربعات يؤلف كل منها من مائتي رجل وأمر بالزحف حتى سار الفرنسيون على مقربة من مركز العدو، فأمرهم بالوقوف وحينذاك استطاع أن يرى مراد بك واقفا أمام خيمته يحيط به مماليكه وكشافة وكبار ضباطه فاصدر الجنرال ديزيه أمره بإطلاق النار ففتحت البنادق أفواهها واصلت العدو نارا حامية حتى اختل نظامه، وفر رجاله، لا ياوون على شيء، واقتفى الفرنسيون أثرهم يعملون السيف في رقابهم فقتلوا عددا عظيما من الرجال والخيل.
وكان مراد بك ينوي أن يجر الفرنسيين إلى الصحراء ليتمكن من إهلاكهم، ولكن الجنرال ديزيه لم يخدع بهذه الحيلة، وأمر رجاله أن لا يبتعدوا عن ضفة البحر اليوسفي ليستولوا على قوارب المماليك.
وفي 7 أكتوبر واصل الجنرال ديزيه الزحف حتى وصل إلى بلدة سدمنت حيث جمع مراد بك المماليك والأعراب من أعوانه وخيوله التي يبلغ عددها أربعة أو خمسة آلاف جواد فصمم على الاستيلاء على هذه المدينة مهما كلفه الأمر.
Bilinmeyen sayfa