6
بونابرت
وليس لدينا أدنى دليل على وصول هذ الخطاب إلى يد إبراهيم بك، ولكن مما لا نزاع فيه هو أن نابوليون لم يتلق ردا ولا رسولا، حتى ولم يعد إليه الأعرابي الذي بعث الخطاب معه، ولو جاز لنا أن نتخيل وصول ذلك الخطاب فعلا فهل كان من الممكن أن يؤدي إلى اتفاق إبراهيم بك مع نابوليون، كما اتفق مراد بك بعد مع الفرنساويين؟؟
الجواب على هذا، أن كل الدلائل تفيد أن إبراهيم بك ما كان ليقبل مطلقا؛ لأنه قد أعد من قبل عدته للسفر، ولأن جميع المماليك كانت لهم ثقة في مقدرة الدولة على إخراج الفرنساويين من مصر، وما اتفق مراد بك معهم إلا بعد أن انتصر نابوليون على الجيش العثماني في واقعة أبي قير البرية، بعد هذا التاريخ بنحو سنة كاملة «25 يوليو 1799»، وما كان يعقل أن يكون والي الدولة العثمانية، رسول الاتفاق بين إبراهيم بك ونابوليون!! كما أنه لا يبعد أن تكون قد وصلت إلى إبراهيم بك وأبي بكر باشا أخبار من جهة العريش عن رغبة الدولة العثمانية في محاربة الفرنساويين ومطاردتهم من أرض مصر.
بقي علينا أن نأتي على الصورة التي كتب بها الجبرتي نبأ انهزام إبراهيم بك وفراره إلى الشام، فإن روايته في هذه النقطة غريبة، ويلاحظ القراء إننا بعد أن نشرح حادثة من الحوادث، نعود إلى رواية الجبرتي، وإننا نفعل ذلك بقصد المقارنة بين المصادر المختلفة، من جهة، وبقصد بيان ما كان يصل من الأخبار إلى القاهرة من جهة أخرى، مع إظهار الحالة العقلية التي كانت لطبقة المتعلمين من المصريين في ذلك الوقت، وهي التي يمثلها الجبرتي في أجلى مظاهرها، قال:
وفي يوم الثلاثاء 2 ربيع الأول
7
وصل الفرنساوية إلى نواحي القرين، وكان إبراهيم بك ومن معه وصلوا إلى الصالحية، أودعوا ما لهم وحريمهم هناك، وضمنوا عليها العربان وبعض الجند، فأخبر بعض العرب الفرنساوية بمكان الحملة فركب صاري عسكر «بونابرت» وأخذ معه الخيالة وقصد الإغارة على الحملة وعلم إبراهيم بك بذلك أيضا فركب هو وصالح بك «الذي كان أميرا للحج» وعدة من الأمراء والمماليك، وتحاربوا معهم نحو ساعة أشرف فيها الفرنسيس على الهزيمة لكونهم على الخيول، وإذا بالخبر وصل إلى إبراهيم بك بأن العرب مالوا على الحملة يقصدون نهبها فعند ذلك فر بمن معه على أثره وتركوا قتال الفرنسيس ولحقوا بالعرب وجلوهم عن متاعهم، وقتلوا منهم عدة وارتحلوا إلى قطيا. ا.ه.
فإن صحت رواية الجبرتي، فكأن نابوليون لم يسرع بالقوة الخيالة، التي قدرها كتاب الفرنساويين بنحو ثلاث مائة، إلا لينقض على مقتنيات إبراهيم بك وأمواله وعرض نفسه ومن معه بذلك للخطر الذي لم ينقذه منه إلا قوة المشاة التي أجبرت بنيرانها المماليك على الفرار على رواية الكتاب الفرنساويين - وأما غدر العربان بالمماليك في تعديهم على متاعهم، كما رواه الجبرتي، فأمر معروف مشهور.
والظاهر أن نابوليون كان يعلق أهمية كبرى على ما أخذه إبراهيم بك معه من المقتنيات والأموال، وإذا كان العربان قد نهبوا من واحد من الحجاج، ما تقدر قيمته بنحو ستين أو أربعين ألف جنيه، فكم يكون مع إبراهيم بك، وأبي بكر باشا والسيد عمر مكرم، ومئات من أمراء المماليك الذين لم يتركوا في القاهرة ليلة الواقعة «في إمبابة» شيئا ثمينا لم يأخذوه معهم؟؟ ولا ينسى القراء أن الكثير من ضباط نابوليون وقواده ورجاله، وهو في مقدمتهم قدموا مصر برغبة الإثراء وجمع الأموال، ولا نقول هذا جزافا فقد رواه يورين عن نابوليون، وكتب عنه ميو في مذكراته
Bilinmeyen sayfa