فصل في صدور الأشياء عن المدبر الأول
فقد ظهر لنا أن للكل مبدأ واجب الوجود غير داخل في جنس أو واقع تحت حد أو برهان بريئا عن الكم والكيف والماهية والأين والمتى والحركة لا ندله ولا شريك ولا ضد وأنه واحد من جميع الوجوه لأنه غير منقسم لا في الأجزاء بالفعل ولا في الأجزاء بالفرض والوهم كالمتصل ولا في العقل بأن تكون ذاته مركبة من معان عقلية متغايرة يتحد بها جملته وأنه واحد من حيث هو غير مشاركة البتة في وجوده الذي له فهو بهذه الوجوه فرد وهو واحد لأنه تام الوجود ما بقي له شيء ينتظر حتى يتم. وقد كان هذا أحد وجوه الواحد وليس الواحد فيه إلا على الوجه السلبي ليس كالواحد الذي للأجسام لاتصال أو اجتماع أو غير ذلك مما يكون الواحد فيه بوحدة وهي معنى وجودي يلحق ذاتا أو ذواتا.
فصل في إثبات دوام الحركة بقول مجمل ثم بعده بقول مفصل
وقد اتضح لك فيما سلف من العلوم الطبيعية وجود قوة غير متناهية ليست مجسمة وأنها مبدأ الحركة الأولية وبأن لك أن الحركة المستديرة ليست متكونة تكونا زمانيا فقد بان لك من هناك من وجه ما أن هنا مبدأ دائم الوجود وقد بان لك بعد ذلك أن واجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته وأنه لا يجوز أن تستأنف له حالة لم تكن مع أنه قد بان لك أن العلة لذاتها تكون موجبة للمعلول فإن دامت أوجبت المعلول دائما فلو اكتفيت بتلك الأشياء لكفتك ما نحن في شرحه إلا أنا نزيدك بصيرة " فنقول " إنك قد علمت أن كل حادث فله مادة فإذا كان لم يحدث ثم حدث لم يخل إما أن تكون علتاه الفاعلية والقابلية لم تكونا فحدثتنا أو كانتا ولكن كان الفاعل لا يحرك والقابل لا يتحرك أو كان الفاعل ولم يكن القابل أو كان القابل ولم يكن الفاعل " فنقول " قولا مجملا قبل العود إلى التفصيل أنه إذا كانت الأحوال من جهة العلل كما كانت ولم يحدث البتة أمر لم يكن كان وجود الكائن أولا وجوده على ما كان فلم يجز أن يحدث كائن البتة فإن حدث أمر لم يكن فلا يخلو إما أن يكون حدوثه على سبيل ما يحدث بحدوث علته دفعة لا على سبيل ما يحدث لقرب علته وبعدها أو يكون حدوثه على سبيل ما يحدث لقرب علته أو بعدها فأما القسم الأول فيجب أن يكون حدوثه لحدوث العلة ومعها غير متأخر عنها البتة فإنه إن كانت العلة غير موجودة ثم وجدت أو موجودة وتأخر عنها المعلول لزم ما قلناه في الأول من
Sayfa 207