Altın Çayırlar ve Cevher Madenleri
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وقد قيل في بعض الروايات: إن معاوية أقسم على عمر ولما أشار عليه بهذا أن يبرز إلى علي، فلم يجد عمرو من ذلك بدا، فبرز، فلما التقيا عرفه علي وشال السيف ليضربه به، فكشف عمرو عن عورته، وقال: مكره أخوك لا بطل فحول علي وجهه عنه، وقاك: قبحت! ورجع عمرو إلى مصافه. وقد ذكر هشام بن محمد الكلبي عن الشرقي بن القطامي أن معاوية قال لعمرو بعد انقضاء الحرب: هل غششتني منذ نصحتني؟ قال: لا، قال: بلى والله يوم أشرت علي بارزة علي وأنت تعلم ما هو، قال: دعاك إلى المبارزة فكنت من مبارزته على إحدى الحسنيين: إما أن تقتله فتكون قد قتلت قاتل الأقران وتزداد شرفا إلى شرفك، وإما أن يقتلك فتكون قد استعجلت مرافقة الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، فقال معاوية: يا عمرو، الثانية من الأولى.
وكان في هذا اليوم من القتال ما لم يكن قبل، ووجدت في بعض النسخ من أخبار صفين أن هاشما المرقال لما وقع إلى الأرض وهو يجود بنفسه رفع رأسه فإذا عبيد الله بن عمر مطروحا إلى قربه جريحا، فحبا حتى دنا منه، فلم يزل يعض على ثدييه حتى ثبتت فيه أسنانه لعدم السلاح والقوة، لأنه أصيب فوقه ميتا هو ورجل من بكم بن وائل، قد زحفا إلى عبيد الله جميعا فنهشاه، وانصرف القوم إلى مواضعهم، وخرج كل فريق منهم يحملون ما أمكن قتلاهم.
ومر معاوية في خواص من أصحابه في الموضع الذي كانت ميمنته فيه، فنظر إلى عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي فعفرا بدمائه، وقد كان على ميسرة علي، فحمل على ميمنة معاوية فأصيب على ما قدمتا آنفا، فأراد معاوية أن يمثل به، فقال له عبد الله بن عامر وكان صديقا لابن بديل: والله لا تركتك وإياه، فوهبه له، فغطاه بعمامته وحمله فواراه، فقال له معاوية: قد والله واريت كبشا من كباش القوم وسيدا من سادات خزاعة غير مدافع، والله لو ظفرت بنا خزاعة لأكلونا، ولو أنا من جندل، دون هذا الكبش، وأنشأ يقول متمثلا:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت يوما به الحرب شمرا
كليث هزبر كان يحمي ذماره ... رمته المنايا قصدها فتقطرا
ونظر على إلى غسان في مصافهم لا يزولون، فحرض أصحابه عليهم، وقال: إن هولاء لن يزلوا على موقفهم دون طعن يحرج منه النسيم، وضرب يفلق الهام ويصج العظام، وتسقط منه المعاصم والأكف، حتى تشدخ جباههم بعمد الحديد، وتنتثر لممهم على الصدور والأذقان، أين أهل الصبر وطلاب الأجر؟ فثاب إليه عصابة من المسلمين من سائر الناس، فدعا ابنه محمدا، فدفع إليه الراية وقال: امش بها نحو هذه الراية مشيا رويدا، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح، فأمسك حتى يأتيك أمري، ففعك، وأتاه علي ومعه الحسن والحسين وشيوخ بدر وغيرهم من الصحابة، وقد كردس الخيل، فحملوا على غسان ومن يليها، فقتلوا منها بشرا كثيرا، وعادت الحرب في أخر النهار كحالها في أوله، وحملت ميمنة معاوية وفيها عشرة الاف من مذحج وعشرون ألفا مقنعون في الحديد على ميسرة علي، فاقتطعوا ألف فارس، فانتدب من أصحاب علي عبد العزيز بن الحارث الجعفي، وقال لعلي: مرني بأمرك، فقال: شد الله ركنك! سر حتى تنتهي إلى إخواننا المحاط بهم، وقل لهم: يقول لكم علي: كبروا ثم احملوا ونحمل حتى نلتقي، فحمل الجعفي، فطعن في عرضهم حتى انتهى إليهم، فأخبرهم بمقالة علي، فكبروا، ثم شدوا حتى التقوا بعلي، وشدخوا سبعمائة من أهل الشام؛ وقتل حوشب ذو ظليم، وهو كبش من كباش اليمن من أهل الشام، وكان على راية ذهل بن شيبان وغيرها من ربيعه الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذهلي، وفيه يقول علي في هذا اليوم:
لمن راية سوداء يخفق ظلها ... إذا قلت قدمها حضين تقدما
ليلة الهرير
فأمره بالتقدم، واختلط الناس، وبطل النبل، واستعملت السيوف، وجنهم الليل، وتنادوا بالشعار، وتقصفت الرماح، وتكالم دم القوم، وكان يعتنق الفارس الفارس ويقعان جميعا إلى الأرض عن فرسيهما، وكانت ليلة الجمعة - وهي ليلة الهرير - فكان جملة من قتل علي بكفه في يومه وليلته خمسمائة وثلاثة وعشرين رجلا أكثرهم في اليوم، وذلك أنه كان إذا قتل رجلا كبر إذا ضرب، ولم يكن يضرب إلا قتل، ذكر ذلك عنه من كان يليه في حربه، ولا يفارقه من ولده وغيرهم.
وأصبح القوم على قتالهم، وكسفت الشمس، وارتفع القتام، وتقطعت الألوية والرايات ولم يعرفوا مواقيت الصلاة، وغدا الأشتر يرتجز وهو يقول:
Sayfa 329