Münazara Maʿa Mulhid
مناظر مع ملحد
مناظرة مع ملحد
Sayfa 291
بسم الله الرحمن الرحيم
[مدخل إلى المناظرة]
قيل : كان وافى (1) مصر رجل من الملحدين فكان يحضر مجالس فقهائها ، ومتكلميها ، فيسألهم (2) عن مسائل الملحدين ، وكان بعضهم يجيب عنها جوابا ركيكا ، وبعضهم يزجره ويشتمه ، فبلغ خبره القاسم بن إبراهيم عليه السلام ، وكان بمصر متخفيا (3)، في بعض البيوت فبعث صاحب منزله ليحضره عنده ، فأحضره ، فلما دخل عليه قال له القاسم رضي الله عنه : إنه بلغني أنك تعرضت لنا ، وسألت : أهل نحلتنا (4)، عن مسائلك ، ترجو أن تصيد أغمارهم (5) بحبائلك (6)، حين رأيت ضعف علمائهم عن القيام بحجج الله ، والذب عن دينه ، ونطقت على لسان شيطان رجيم لعنه الله : ( وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ) (118) [النساء : 114].
فقال الملحد : أما إذا عبت أولئك ، وعيرتهم بالجهل فإني سائلك ، وممتحنك ، فإن أجبت عنهم فأنت زعيمهم (7)، وإلا فأنت إذا مثلهم.
فقال القاسم عليه السلام : سل عما بدا لك ، وأحسن الاستماع ، وعليك بالنصفة (8)، وإياك والظلم (9)، ومكابرة العيان ، ودفع الضرورات (10)، والمعقولات ، أجبك عنه ، وبالله أستعين ، وعليه أتوكل ، وهو حسبي ونعم الوكيل.
Sayfa 293
[إثبات وجود الصانع وحدوث العالم]
فقال الملحد عند ذلك : حدثني ما الدلالة على إنية الصانع؟ (1)
قال القاسم عليه السلام : الدلالة على ذلك قوله في كتابه عز وجل : ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7)) [الحج : 5 7].
ووجه الدلالة في هذه الآية فهو : كون الإنسان ترابا ، ثم نطفة ، ثم علقة ، لا تخلو هذه الأحوال من خلتين :
إما أن تكون محدثة ، أو قديمة ، فإن كانت محدثة فهي إذا من أدل الأدلة على وجود إنيته ، لعلل :
منها : أن المحدث متعلق في العقل بمحدثه ، كما كانت الكتابة متعلقة في العقل (2) بكاتبها ، والنظم بناظمه. إذ لا يجوز وجود كتابة لا كاتب لها ، ووجود أثر لا مؤثر له في الحس ، والعقل.
ومنها : أن المحدث هو ما لم يكن فكون ، فهو في حال كونه (3) لا يخلو من أحد
Sayfa 294
أمرين :
إما أن يكون هو كون نفسه ، أو غيره كونه (1)!!
فإن كان هو الذي كون نفسه لم يخل أيضا من أحد أمرين :
إما أن يكون كون نفسه وهو معدوم ، أو كونها وهو موجود! فإن كان كونها وهو معدوم ، فمحال أن يكون المعدوم أوجد نفسه وهو معدوم. وإن كونها وهو موجود ، فمحال أن يكون الموجود أوجد نفسه وهو موجود. إذ وجود نفسه قد أغناه عن أن يكونها ثانيا. فإذا بطل هذا ثبت أن الذي كونه غيره ، وأنه قديم ليس بمحدث ، إذ (2) لو كان محدثا كان حكمه حكم المحدثات.
وإن كانت الأحوال قديمة فذلك يستحيل ، لأنا نراها تحدث شيئا بعد شيء في حين واحد ، في نفس واحدة ، فلو كانت (3) كلها مع اختلافها في أنفسها وأوقاتها قديمة ، لكانت الترابية نطفة مضغة دما علقة عظما لحما إنسانا ، في حالة واحدة ، إذ القديم هو الذي لم يكن ، ولم يزل (4) وجوده ، وإذا لم يزل وجود هذه الأحوال ، كان على ما ذكرت وقلت ، من كونه ترابا مضغة لحما عظما إنسانا ، في حالة واحدة ، إذ الأحوال لم يسبق بعضها بعضا ، لأنها قديمة ، ولأن كل واحد منها (5) في باب القدم سواء ، فإذا استحال وجود هذه الأحوال معا في حين واحد ، في حالة واحدة ، وثبت (6) أن الترابية سابقة للنطفية ، والنطفية (7) سابقة للحال ، التي بعدها (8)، صح الحدوث ، وانتفى عنها
Sayfa 295
القدم (1)، وإذا صح الحدوث فقد قلنا بديا : إن المحدث متعلق في العقل بمحدثه.
قال الملحد : وما أنكرت أن تكون (2) الأحوال حديثة ، وأن العين التي هي الجسم قديمة.
قال القاسم عليه السلام : أنكرت ذلك من حيث لم أره منفكا عن هذه الأحوال بتة ، ولا جاز أن ينفك (3) (فلما لم أره منفكا من هذه الأحوال ولا جاز أن ينفك)، كان (4) حكم العين كحكم الأحوال في الحدوث.
قال الملحد : ولم؟
قال القاسم عليه السلام : من قبل أنها أعني العين إذا كانت قديمة وكانت الأحوال محدثة ، فهي لم تزل تحدث فيها الأحوال ، وإذا قلت لم تزل تحدث فيها ناقضت ، لأن قولك : لم تزل خلاف قولك : تحدث. والكلام إذا اجتمع فيه إثبات شيء ونفيه في حال واحد استحال. وذلك أنها إذا لم تزل تحدث فيها ، فقد أثبتها قديمة (5) لم تزل تحدث فيها ، وإذا كان هذا هكذا فهي لم تسبق الحدث ، فقد صار الحدث قديما ، لأنه صفة الجسم الذي هو قديم ، وإذا كانت صفته استحال أن تكون صفة القديم الذي لا يخلو (6) منها ولا يزول عنها محدثة (7) ، وهذا محال بين الإحالة ، لأن فيه تثبيت المحدث قديما ، والقديم محدثا.
قال الملحد : فما أنكرت أن تكون هذه الأعيان هي التي فعلت الأحوال؟
قال القاسم عليه السلام : بمثل ما أنكرت زيادتك الأولى ، لأنه لا فرق بين أن
Sayfa 296
تكون هي الفاعلة ، وهي لم (1) تسبق فعلها ، أو تكون هي قديمة وهي لم تسبق صفاتها (2)، لأن الفاعل سابق لفعله متقدم له ، وكذلك القديم الذي لم يزل ، سابق للذي لم يكن ، لأن في إثبات الفعل له إثبات حدث فعله ، وإذا لم يسبق فعله فقد جمعت بينهما في حال واحد ، وثبت للشيء الواحد القدم والحدوث في حالة واحدة ، وهذا محال بين الإحالة.
[نظرية الهيولى والصورة وحدوث الأشياء من بعضها]
قال [الملحد] : فإني لم أر كون شيء إلا من شيء ، فما أنكرت أن تكون الأشياء لم تزل يتكون بعضها من بعض؟ وما أنكرت أن يكون الشيء الذي هو الأصل قديما؟
قال القاسم عليه السلام : أنكرت ذلك أشد الإنكار ، وذلك أن الشيء الذي هو الأصل لا يخلو من أن يكون فيه من الأحوال والهيئات والصفات مثل ما في فرعه ، أو ليس كذلك؟! فإن كان فيه مثل ما في فرعه ، فحكمه في الحدث كحكمه ، وقد تقدم (3) الكلام في هذا المعنى بما فيه كفاية ، على أنا نجد الصور والألوان والهيئات والصفات بعد أن لا نجدها فيه (4)، ووجود الشيء بعد عدمه هو أدل الدلالة على حدثه!!
فحدثني عن الصورة (5) من أي أصل حدثت (6)؟ فإن قلت إنها قديمة أحلت ، وذلك أنها لا تخلو من أمور.
Sayfa 297
أحدها : أن الصورة لو كانت قديمة لكانت في هذا المصور (1) الذي ظهرت فيه الصورة ، أو في عنصره الذي تسمونه" هيولى" (2)، فإن كان في هذا المصور بان فساد قولكم ودعواكم ، إذ قد نجده بخلاف (3) هذه الصورة ، وإن كانت في الذي تسمونه" هيولى" ، فلا بد إذا ظهرت في هذا المصور أن تكون قد انتقلت عنه إلى هذا (4) فإن قلت : انتقلت. أحلت ، لأن الأعراض (5) لا يجوز عليها الانتقال ، على أن في الصورة ما يرى بالعيان ، فإن كانت منتقلة فما بالها خفيت عند الانتقال ، وظهرت عند اللبث؟!
وفيه خلة أخرى وهي : أنها (6) لو كانت في الأصل (7)، ثم انتقلت عنه إلى فرعها (8)، فقد جعلت لانتقالها غاية ونهاية ، وإذا جعلت لها غاية ونهاية (9) فقد صح حدث (10) الذي انتقلت عنه هذه الأحوال (11).
فإن قلت : لم تزل تنتقل. كان الكلام عليك في هذا المعنى ، كالكلام الذي قدمناه آنفا في" باب لم تزل تحدث".
Sayfa 298
وفيه معنى آخر وهو : أنك إذا جعلت الأشياء في وهمك شيئين ، إذا أفردت كل واحد من صاحبه نقص ، وانتهى إلى حد ما وقل ، وإذا جمعت كل واحد إلى صاحبه زاد ، وانتهى إلى حد ما وكثر ، أفليس (1) إذا انتهى في حال ، وزاد فكثر أو نقص فقل ، فالنقص والزيادة يخبران بالنهاية عنه (2)؟! وإذا ثبت فيه النهاية ، ثبت فيه الحدوث (3)!!!
[نظرية الكمون والظهور]
قال الملحد : ما أنكرت أن تكون صورة التمرة والشجرة كامنة في النواة ، فلما وجدت ما شاكلها ظهرت؟!
قال القاسم عليه السلام : إن هذا يوجب التجاهل ، وذلك أنا لو تتبعنا أجزاء النواة لم نجد فيها ما زعمت.
وشيء آخر وهو : أنه لو جاز هذا لجاز أن يكون الإنسان كامنة فيه (4) صورة الخنزير ، والحمار ، والكلب ، وإذا كان ذلك كذلك ، كان (5) الإنسان إنسانا في الظاهر ، كلبا ، حمارا ، خنزيرا ، فيلا ، في الباطن!! فإن قلت ذلك ، لحقت بأصحاب سوفسطاء (6).
Sayfa 299
فإن شئت تكلمنا فيه. على أنه قد ظهر من حمقهم لأهل العقول ما يزعهم (1) عن القول بمقالتهم.
قال الملحد : وكيف يجوز أن يكون الإنسان إنسانا في الظاهر ، وكلبا حمارا خنزيرا فيلا (2)، في الباطن؟! قال القاسم عليه السلام : كما جاز أن تكون صورة التمرة والنخلة كامنة في النواة!!
قال الملحد : فإن بين التمرة والنخلة والنواة مشاكلة ، وليس بين الإنسان والكلب مشاكلة.
قال القاسم عليه السلام : لو كان بين التمرة والنخلة والنواة مشاكلة مع اختلاف الصورة ، لجاز أن يكون بين الإنسان والكلب مشاكلة!!
قال الملحد : فإن النواة إذا انتقلت من صورتها ، انتقلت إلى صورة النخلة (3).
قال القاسم عليه السلام : وكذلك الإنسان إذ تفرقت أجزاؤه جاز أن يكون كلبا في الطبع والقوة والهيولية عندك ، فمهما أتيت به فيه من شيء (4) تريد الفرق بينهما فهو لي عليك ، أو مثله.
ووجه آخر وهو : أن الصورة لو كانت في الأصل نفسه ، لكان الأصل نفسه هو التمرة ، لأن التمرة إنما بانت من (5) سائر المصورات ، وعرفت من غيرها بالصورة ، فعلى هذا يجب أن يكون أصلها التمرة ، وهذا مكابرة العقول ، لأنه لو كان هذا هكذا ، لكان
Sayfa 300
ظهورها في نواتها أقرب وأشهر وأعم ، ولم يستحل وجود صورتين معا (1) في حين واحد.
قال الملحد : إن النواة هي تمرة بالقوة الهيولية ، أعني أنها إذا انتقلت لم تنتقل إلا إلى شجرتها ، ثم إلى ثمرتها ، ثم تعود إلى أصلها ، ثم تصير نواة في وسطها.
قال القاسم عليه السلام : لو كان هذا هكذا ، لكانت الطبيعة (2) التي هي الأصل تمرة بالقوة الهيولية ، إن كنت ممن يقول بالدهر ، وإن كنت ثنويا فالنور والظلمة ، وما أصلت من أصل فيجب على هذا أن يكون ذلك الأصل تمرة بالقوة ، لأنها إذا انتقلت انتقالاتها صارت تمرة ، وهذه مكابرة (3) واضحة ، وذلك يوجب عليك أن الأصل البحت : تمرة ، نواة ، خوخة ، باذنجانة ، لأنه جائز عندك الانتقال من صورة إلى صورة. وإن (4) كان حكم الأصول في الهيئات (5) خلاف حكم الفروع فسنقول فيه قولا شافيا إن شاء الله.
قال الملحد : إن صححت أن (6) حكم الأصول حكم الفروع (7)، تركت مذهبي ، فإنه قد عظمت علي الشبهة في هذا الموضع.
قال القاسم عليه السلام : اعلم أن طرق العلم بالأشياء مختلفة.
فمنها : ما يعرف بالحس.
ومنها : ما يعرف بالنفس.
ومنها : ما يعرف بالعقل.
ومنها : ما يعرف بالظن والحسبان.
Sayfa 301