(4) سورة : المزمل آية رقم : 20 5 - حدثنا إسحاق ، أخبرنا أبو معاوية ، ثنا الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر بن عبد الله ، قال : جاء النعمان بن قوقل إلى رسول الله A فقال : إني أحللت الحلال وحرمت الحرام وأديت المكتوبات . أأدخل الجنة ؟ قال : « نعم » . وفي لفظ قال النعمان لرسول الله A : أرأيت إن صليت المكتوبات وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئا أأدخل الجنة ؟ قال : « نعم » وقال قتادة : « يا أيها المزمل (1) هو الذي يزمل ثيابه » وعن عكرمة قال : « زملت هذا الأمر فقم به : و يا أيها المدثر (2) دثرت هذه الأمر فقم به » وعن أبي عبيد قرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وأبو عمرو والكسائي المزمل والمدثر بالتشديد والإدغام وكذلك نقرأهما وعليهما الأمة والمزمل الملتف بثوبه . وقال الشافعي : سمعت من أثق بخبره وعلمه يذكر أن الله أنزل فرضا في الصلاة ثم نسخه بفرض غيره ، ثم نسخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس . قال : كأنه يعني قول الله : يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ثم نسخه في السورة معه بقوله : إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه (3) إلى قوله : فاقرءوا ما تيسر من القرآن فنسخ قيام الليل أو نصفه أو أقل أو أكثر بما تيسر . قال : ويقال نسخ ما وصف في المزمل بقول الله : أقم الصلاة لدلوك الشمس (4) زوالها إلى غسق الليل العتمة وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك فأعلمه أن صلاة الليل نافلة لا فريضة ، والفرائض فيما ذكر من ليل ونهار . قال : ففرائض الصلوات خمس وما سواها تطوع . وعن أبي عبيد قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو : نصفه وثلثه بالخفض وكان ابن كثير وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي يقرأونها نصبا نصفه وثلثه غير أن ابن كثير كان يخفف ثلثه . وقال وقراءتنا التي نختارها الخفض لقوله : علم أن لن تحصوه فكيف تقدرون على أن تعرفوا نصفه من ثلثه وهم لا يحصونه . قال الشافعي : فتأول أبو عبيد أن قوله : علم أن لن تحصوه : لن تعرفوه ذهب إلى الإحصاء في العدد . وقال غير أبي عبيد من أهل العلم بالعربية ، إنما قوله : لن تحصوه : لن تطيقوه . وقال تقول العرب ما أحصى كذا ، أي ما أطيقه . وقال ومنه قول النبي A : « استقيموا ولن تحصوا » ، أي لن تطيقوا أن تستقيموا في كل شيء يقول : « سددوا وقاربوا » عن أبي صالح لما نزلت : « إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي إلى قوله : علم أن لن تحصوه قال : قال جبريل : أشق عليكم ؟ قال : » نعم « . قال : وما منا إلا له مقام معلوم ، وإنا لنحن الصافون ، وإنا لنحن المسبحون (5) » ، وعن قتادة : « إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه وأدنى من ثلثه » وقال مجاهد : « تقوم أدني من ثلثي الليل وتقوم نصفه أو ثلثه والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه » وعن الحسن وقتادة : علم أن لن تحصوه ، لن تطيقوه قال محمد بن نصر قال بعض أهل العلم في قوله : قم الليل إلا قليلا أي صل الليل إلا شيئا يسيرا منه تنام فيه وهو الثلث . ثم قال : نصفه أي قم نصفه أو انقص من النصف قليلا أي الثلث أو زد على النصف إلى الثلثين . فلما نزلت هذه الآية قام النبي A وطائفة من المؤمنين معه وأحد المسلمون أنفسهم بالقيام على المقادير حتى شق ذلك عليهم ، فأنزل الله إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه أي وتقوم نصفه وثلثه وسائر أجزائه . علم أن لن تحصوه أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك ، والقيام فيه على هذه المقادير فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن رخص لهم في أن يقوموا ما أمكن وخف بغير مدة معلومة ولا مقدار . قال : ثم نسخ هذه بالصلوات المكتوبات . قال : ولو قرأنا : أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه بالخفض دل ذلك على أنه كان ربما قام أقل من ثلثي الليل وفي هذه مخالفة لما أمر به لأن الله قال له : قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا إلى الثلث ولم يأمره أن ينقص من الثلث شيئا . قال : فذهب الشافعي في الحكاية التي حكاها وغيره إلى أن الله افترض قيام الليل في أول سورة المزمل على المقادير التي ذكرها ، ثم نسخ ذلك في آخر السورة وأوجب قراءة ما تيسر في قيام الليل فرضا ، ثم نسخ فرض قراءة ما تيسر بالصلوات الخمس . وأما سائر الأخبار التي ذكرناها عن عائشة وابن عباس وغيرهما فإنها دلت على أن آخر السورة نسخت أولها ، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة بنزول آخر السورة ، فذهبوا إلى أن قوله فاقرءوا ما تيسر اختيار لا إيجاب فرض . وقال : وهذا أولى القولين عندي بالصواب ، وكيف يجوز أن يكون الصلوات الخمس نسخت قيام الليل ، والصلوات الخمس مفروضات في أول الإسلام ، والنبي A بمكة ، فرضت عليه ليلة أسري به ، والأخبار التي ذكرناها تدل على أن قوله : فاقرءوا ما تيسر من القرآن إنما نزل بالمدينة ونفس الآية تدل على ذلك ، قوله : علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ، والقتال في سبيل الله إنما كان بالمدينة . وكذلك قوله : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (6) الزكاة إنما فرضت بالمدينة وفي حديث جابر أن النبي A بعثهم في الجيش وقد كان كتب عليهم قيام الليل ، وبعثه الجيوش لم يكن إلا بعد قدوم النبي A المدينة قال : ويقال لمن أوجب القيام بالليل فرضا بما قل أو كثر احتجاجا بقوله : فاقرءوا ما تيسر منه ، خبرنا عنه إذا لم يخفف عليه ولم يتيسر أن يقرأ بشيء هل توجب عليه أن يتكلف ذلك وإن لم يخفف ولم يتيسر . فإن قال : نعم ، خالف ظاهر الكتاب وأوجب عليه ما لم يوجبه الله . وإن قال : لا يجب عليه تكلفه ذلك إذا لم يتيسر ، ويخفف ، فقد أسقط فرضه ، ولو كان فرضا لوجب عليه خف أو لم يخف كما قال : انفروا خفافا وثقالا (7) وقوله : ما تيسر يدل على أنه ندب واختيار وليس بفرض . قال : وقد احتج بعض أصحاب الرأي في إيجاب القراءة في الصلوات المكتوبات بقوله : فاقرءوا ما تيسر من القرآن فأسقطوا فرض قراءة فاتحة الكتاب متأولين لهذه الآيات فقالوا : إنما عليه أن يقرأ ما تيسر من القرآن ، ولا عليه أن لا يقرأ بفاتحة الكتاب . ثم ناقضوا فقالوا : لابد أن يقرأ بثلاث آيات فصاعدا أو بآية طويلة نحو آية الدين أو آية الكرسي . فإن قرأ بآية قصيرة نحو قوله مدهامتان (8) و لم يلد (9) ، لم يجز وليست هذه الآية من القراءة في الصلوات المكتوبات في شيء . إنما نزلت الآية على ما أعلمتك بقيام الليل ، وإنما أخذت القراءة في الصلوات المكتوبات عن النبي A كما أخذ عدد الركوع والسجود وسائر ما في الصلاة عن النبي عليه السلام . ولذكر القراءة في الصلوات المكتوبات كتاب غير هذا سنحكي اختلاف الناس واحتجاجاتهم فيها هنالك . وما أدخلنا على الطائفة الأولى في إيجابهم قراءة ما تيسر في قيام الليل داخل على أصحاب الرأي بأن يقال لهم : خبرونا عمن لم يتيسر عليه قراءة شيء من القرآن في الصلاة ولم يخفف ، هل توجبون عليه أن يتكلف مقدار ما حددتم من قراءة ثلاث آيات أو آية طويلة . وإن ثقل ذلك عليه ولم يتيسر ؟ فإن قالوا : نعم . قيل : فمن أين أوجبتم عليه قراءة ما لم يتيسر عليه ؟ وإنما أمر الله بقراءة ما تيسر في زعمكم ، ويلزمكم أن تجيزوا للمصلي إذا افتتح الصلاة أن يقول ألفا ويركع ويقول : لم يتيسر علي أكثر من ذلك . فإن أجازوا ذلك خالفوا السنة وخرجوا من قول أهل العلم . قوله : ورتل القرآن ترتيلا (10) عن ابن عباس قال : بينه تبيينا وقال له رجل : إني سريع القراءة أقرأ البقرة في مقام . فقال : لأن أقرأ البقرة فأرتلها وأقدرها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كما تقول وقرأ علقمة على عبد الله وكان حسن الصوت . فقال : رتل فداك أبي وأمي . فإنه زين القرآن . قال علقمة : صليت مع ابن مسعود من أول النهار إلى انصرافه من الفجر فكان يرتل ولا يرجع ويسمع من في المسجد وعن قتادة : بلغنا أن عامة قراءة النبي A كانت المد وعن مجاهد : ورتل القرآن ترتيلا . قال : ترسل فيه ترسيلا ، وفي رواية قال : بعضه على إثر بعض وعن حفصة Bها . كان رسول الله A يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها
__________
(1) سورة : المزمل آية رقم : 1
(2) سورة : المدثر آية رقم : 1
(3) سورة : المزمل آية رقم : 20
(4) سورة : الإسراء آية رقم : 78
(5) سورة : الصافات آية رقم : 164
(6) سورة : البقرة آية رقم : 43
(7) سورة : التوبة آية رقم : 41
(8) سورة : الرحمن آية رقم : 64
(9) سورة : الإخلاص آية رقم : 3
Sayfa 7