(1) الطي : القرب، والجوع وأيضا الاستدارة، وبئر طوي : مستدير 36 - حدثنا إسحاق ، أخبرني جعفر بن سليمان ، عن المعلى بن زياد ، قال : « كان فراش رسول الله A طاقا واحدا . فبلغني أن بعض أمهات المؤمنين ثنت عباءة ، فأنكر رسول الله نفسه . فقال : » ما صنعت ؟ « قالت : ثنيتها . قال : » فلا تعودي « وعن الحسن C أن كان الرجل منهم ليعيش خمسين أو ستين سنة عمره كله ما طوي له ثوب قط ، ولا أمر في أهله بصنعة طعام قط ، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا قط ، قال : واحتضر رجل من الصدر الأول فبكى واشتد بكاؤه . فقالوا له : رحمك الله إن الله عفو وإنه غفور . فقال : أما والله ما تركت بعدي شيئا أبكي عليه إلا ثلاث خصال : ظمأ هاجرة في يوم بعيد ما بين الطرفين ، أو ليلة يبيت الرجل يراوح ما بين جبهته وقدميه ، أو غدوة أو روحة في سبيل الله » وعن محمد بن كعب القرظي C قال : قرأت في بعض الكتب : أيها الصديقون ، افرحوا بي وتنعموا بذكري « وخرج الربيع بن خيثم في غزاة وأرسل غلامه يحتش وربط فرسه ، قام يصلي ، فجاء الغلام ، قال : يا ربيع أين الفرس ؟ قال : سرقت يا يسار . قال : تسرق وأنت تنظر إليها ؟ قال : نعم يا يسار ، إني كنت أناجي ربي فلم يكن يشغلني عن مناجاة ربي شيء اللهم إن كان غنيا فاهده وإن كان فقيرا فأغنه . وقالت أم غزوان له : أما لفراشك عليك حق أما لنفسك عليك حق ؟ قال : يا أماه إنما أطلب راحتها أبادر طي صحيفتي . وقال : لله علي أن لا يراني ضاحكا حتى أعلم أي الدارين داري » قال الحسن C : عزم ففعل فوالله ما رئي ضاحكا حتى لحق بالله وكان همام C لا ينام على فراشه يصلي حتى ينعس في مسجده ، ثم يقوم فيصلي ليله كله . وقال الشعبي : C ، كان عبد الرحمن بن أبي نعم يواصل أربعة عشر يوما حتى نعوده وبلغ ذلك الحجاج فحبسه خمسة عشر يوما في بيت ثم فتح عنه فوجده قائما يصلي ، فقال : اذهب فأنت راهب العرب وقال سفيان الثوري C : بت عند الحجاج بن فرافصة C إحدى عشرة ليلة ، فلا أكل ولا شرب ولا نام . وكان هشام الدستوائي لا يطفئ سراجه بالليل . فقالت له امرأته : إن هذا السراج يضربنا إلى الصباح . فقال : ويحك إنك إذا أطفيتيه ذكرت ظلمة القبر فلم أتقار وكان مملوك تقول له مولاته : ألا تدعنا ننام ؟ فيقول : إنما لك نهاري وليس لك ليلي ، إني إذا ذكرت النار طار نومي ، وإني إذا ذكرت الجنة طال حزني . وقال وهب بن منبه C : « لن يبرح المتهجدون من عرصة القيامة حتى يؤتوا بنجائب من اللؤلؤ قد نفخ فيها الروح . فيقال لهم : انطلقوا إلى منازلكم من الجنة ركبانا ، فيركبونها فتطير بهم متعالية والناس ينظرون إليهم ، يقول بعضهم لبعض : من هؤلاء الذين قد من الله عليهم من بيننا فلا يزالون كذلك حتى ينتهي بهم إلى مساكنهم من الجنة » وعن الأوزاعي C : بلغني أنه « من أطال قيام الليل خفف الله عنه يوم القيامة » وعن طلحة بن مصرف C : بلغني أن العبد إذا قام من الليل للتهجد ناداه ملكان : طوباك سلكت منهاج العابدين قبلك « وعن محمد بن قيس C : بلغني أن العبد إذا قام الليل للصلاة تناثر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه ، وهبطت عليه الملائكة لتستمتع لقراءته ، واستمع له عمار داره وسكان الهواء ، فإذا فرغ من صلاته وجلس للدعاء أحاطت به الملائكة تؤمن على دعائه ، فإن هو اضطجع بعد ذلك نودي : نم قرير العين مسرورا نم خير نائم على خير عمل » 37 - حدثنا هارون بن عبد الله ، ثنا هشام بن القاسم ، ثنا بكر بن خنيس ، عن ليث ، عن زيد بن أرطأة ، عن أبي أمامة الباهلي ، قال : قال رسول الله A : « ما أذن الله لعبد في شيء أفضل من ركعتين يصليهما ، وإن البر (1) ليذر (2) فوق رأس العبد ما دام في صلاته وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه ، يعني القرآن » وقال عطاء الخراساني : كان يقال : « قيام الليل محياة للبدن ، ونور في القلب ، وضياء في البصر ، وقوة في الجوارح ، وإن الرجل إذا قام من الليل متهجدا أصبح فرحا يجد لذلك فرحا في قلبه . وإذا غلبته عيناه فنام عن حزبه أصبح حزينا منكسر القلب كأنه قد فقد شيئا وقد فقد أعظم الأمور له نفعا » . وقال يزيد الرقاشي : « بطول التهجد تقر عيون العابدين وبطول الظمأ تفرح قلوبهم عند لقاء الله » . وعن إسحاق بن سويد : كانوا يرون السياحة صيام النهار وقيام الليل « . وكان سليمان التيمي C عامة دهره يصلي العشاء والصبح بوضوء واحد وليس وقت صلاة إلا وهو يصلي ، وكان يسبح بعد العصر إلى المغرب ويصوم الدهر . وانصرف الناس يوم عيد من الجبان فأصابهم مطر . فدخلوا المسجد فتغاصوا فيه . وإذا سليمان التيمي C قائم يصلي انهدم بيته ، فضرب فيه خيمة فكان فيها حتى مات . وطوي فراشه أربعين سنة ولم يضع جنبه بالأرض عشرين سنة ، وكانت له امرأتان ، وكان يطلب الحديث بالكوفة ، وقدم على الأعمش C فخرج في ساعة كان سليمان التيمي يصلي فيها ، فأقبل على الصلاة ولم يلتفت إلى الأعمش ، وصلى بعد العشاء الآخرة مرة فقرأ تبارك الذي بيده الملك حتى أتى على قوله فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا (3) جعل يرددها إلى الفجر ، ولما مات قالت جارية من جيرانه لأمها : يا أماه ما فعل المشجب الذي كان فوق ذلك السطح ؟ تظن أن سليمان التيمي C كان المشجب . وكان معتمر C يصلي الغداة بوضوء العتمة ، وكان لأبي مسلم الخولاني C سوط يعلقه في مسجده فإذا كان السحر ونعس أو مل أخذ السوط وضرب به ساقيه ثم قال : لأنت أولى بالضرب من شرار الدواب . وقال سليمان التيمي C : إن العين إذا عودتها النوم اعتادت ، وإذا عودتها السهر اعتادت . وكان منصور بن المعتمر C يصلي العتمة ثم يحول نعليه عن مقامه فيفتتح الصلاة فيجيء القوم غدوة فإذا هو مكانه . وكان منصور بن زاذان C خفيف القراءة يقرأ القرآن كله في صلاة الضحى ، ويختم القرآن بين الأولى والعصر ، ويختم في يوم مرتين . وكان يصلي الليل كله . وقالت أم ولده : كان يقوم هذا الليل فلا يضع جنبه وما كان يأتيني إلا كما يأتي العصفور ، ثم يغتسل ثم يعود إلى مصلاه فلا ينام هذا الليل . وقال شميط : » اللهم اجعل أحب ساعاتنا إليك ساعات ذكرك وعبادتك ، واجعل أبغض ساعاتنا إليك ساعات أكلنا وشربنا ونومنا « وقال عبثر أبو زبيد C : اختفى عندي محمد بن النضر الحارثي من يعقوب بن داود في هذه العلية أربعين ليلة ، فما رأيته نائما ليلا ولا نهارا . قال : وكان يجيئني نصف النهار في القائلة فأقول له : أما تقيل ؟ فيقول : أكره أن أعطي عيني سؤلها في النوم . وترك محمد بن النضر C النوم قبل موته بسنتين إلا القيلولة ثم ترك القيلولة أيضا ، وكان يصلي من أول الليل إلى آخره . وكان داؤد الطائي C صاحب فكرة . وقال رجل لداؤد : عظني . قال : » لا يراك الله حيث نهاك ولا يفقدك عند ما أمرك به . وقال : فر من الناس فرارك من الأسد من غير أن تكون مفارقا للجماعة . وقال : ارض باليسير مع سلامة الدين كما رضي قوم بالكثير مع خراب دينهم . وقال : اجعل الدهر يوما واحدا صمته عن شهوات الدنيا وآخر فطرك منه الموت . وكان هو هكذا . كان يدخل الرطب فلا يعلم به والعنب فلا يعلم به صائما أبدا . كسر يابسة يبلها فيأكلها . وأشرف عليه جار له بعد المغرب فإذا في يده رغيفان يابسان ، وهو يقول لنفسه : تأكلين تأكلين فكأنها أبت فألقاهما ، وافتتح الصلاة ، فأشرف عليه من القابلة وفي يده الرغيفان فجعل يقول : تأكلين . ثم أكل « . وقيل لأم الدرداء : ألا تعجبين من الرجل الكبير السقيم لا يكاد يرى إلا وهو يصلي ، والرجل الشاب القوي لا يكاد أن يتم الفريضة ؟ فقالت : » كل يعمل في ثواب قد أعد له « وقال وهيب C : بلغني عن موسى عليه السلام أنه قال : يا رب ، أخبرني عن آية رضاك عن عبدك ، فأوحى إليه إذا رأيتني أهيئ له طاعتي وأصرفه عن معصيتي فذاك آية رضائي عنه » . وقال مالك بن دينار C : « ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب ، وقال : إن لله عقوبات فتعاهدوهن من أنفسكم في القلوب والأبدان وضنك في المعيشة ووهن في العبادة وسخطة في الرزق . وقال : إن البدن إذا سقم لم ينجع فيه طعام ولا شراب ولا نوم ولا راحة . وكذلك القلب إذا علقه حب الدنيا لم ينجع فيه المواعظ » . وقال المغيرة بن حبيب C : لما برز العدو قال عبد الله بن غالب C : « على ما آسى من الدنيا ، فوالله ما فيها للبيب جذل . ووالله لولا محبتي لمباشرة السهر بصفحة وجهي وافتراش الجبهة لك يا سيدي والمراوحة بين الأعضاء والكراديس في ظلم الليالي رجاء ثوابك وحلول رضوانك ، لقد كنت متمنيا لفراق الدنيا وأهلها ، ثم كسر جفن سيفه وتقدم فقاتل حتى قتل . فلما دفن أصابوا من قبره رائحة المسك فرآه رجل فيما يرى النائم ، فقال : يا أبا فراس ماذا صنعت ؟ قال : خير الصنيع . قال : إلى ما صرت ؟ قال : إلى الجنة . قال : بم . قال : بحسن اليقين وطول التهجد وظمأ الهواجر . قال : فيما هذه الرائحة الطيبة التي توجد من قبرك ؟ قال : تلك رائحة التلاوة والظمأ . قال : أوصني . قال : بكل خير أوصيك ، قال : أوصني ، قال : اكسب لنفسك خيرا ، لا تخرج عنك الليالي والأيام عطلا ، فإني رأيت الأبرار نالوا البر بالبر » . وكان عبد الله بن غالب C يصلي في اليوم مائة ركعة يقرأ في أول النهار سبعا وفي آخره سبعا . وقال سعيد الزبيدي : « لا يعجبني من القراء كل مضحاك ألقاه بالبشر ويلقاني بالعبوس يمن علي بعبادته لا أكثر الله في القراء مثل هذا » . وقال هشام الدستوائي : إن لله عبادا يدفعون النوم مخافة أن يموتوا في منامهم . وكان طاوس يفرش فراشه ، ثم يضطجع يتقلى كما تتقلى الحبة في المقلاة . ثم يثب فيدرجه ويستقبل القبلة حتىالصباح ، ويقول : « طير ذكر جهنم نوم العابدين » وقيل لعفيرة العابدة : إنك لا تنامين بالليل ، فبكت ثم قالت : ربما اشتهيت أن أنام فلا أقدر عليه ، وكيف ينام أو يقدر على النوم من لا ينام حافظاه عنه ليلا ولا نهارا « وقال الربيع بن عبد الرحمن C : إن لله عبادا خمصوا له البطون عن مطاعم الحرام وغضوا له الجفون عن مناظر الآثام ، وأهملوا له العيون لما اختلط عليهم الظلام رجاء أن ينير لهم ظلمة قبورهم ، إذا تضمنتهم الأرض بين أطباقها فهم في الدنيا مكتتبون وإلى الآخرة متطلعون ، نفذت أبصار قلوبهم بالغيب إلى الملكوت ، فرأت فيه ما رجت من عظيم ثواب الله . فازدادوا بذلك لله جدا واجتهادا عند معاينة أبصار قلوبهم ما انطوت عليه آمالهم . فهم الذين لا راحة لهم في الدنيا وهم الذين تقر أعينهم غدا بطلعة ملك الموت عليهم . ثم بكى حتى بل لحيته بالدموع »
__________
(1) البر : اسم جامع لكل معاني الخير والإحسان والصدق والطاعة وحسن الصلة والمعاملة
(2) يذر : ينثر ويفرق
Sayfa 44