Alfred North Whitehead ile Müzakereler
محاورات ألفرد نورث هوايتهد
Türler
ثم إن الأرجح أن تسجيل حديث رجل من البارزين عمل لا يحمد عليه فاعله، بل إن خير رواة الأحاديث لم يكتسبوا سوى نعتهم لمائة عام أو مائتي عام بالحمير الأذلاء الأتباع المتزلفين. أضف إلى ذلك أن كل امرئ في الوقت الحاضر يحسب أنه في امتياز غيره من الناس، إن لم يفقهم جميعا؛ ومن ثم فإن تقديري لغيري سوف يصمني بالنقص في احترامي لذاتي، بيد أني أخالف في الرأي مخالفة قاطعة هذه المساواة المزعومة. إن راويتكم لم يبلغ مبلغ هوايتهد، والمفارقة العقلية بيني وبينه قائمة كذلك.
مثلي مثل صبي إنجليزي في السادسة عشرة من عمره، عامل على ظهر حاملة البضائع «دفونيان» التابعة لشركة لاي لاند، التي اعتادت قبل حرب 1914-1918م أن ترسو عند إيست بوستن قريبا من منزل سنت ماري للملاحين. كان الصبي لندني المولد، واسمه شارلز بيلي «وينادى كول بايلي»، وكان حسن التربية، إذا اشتدت معرفتك به وأمكنك أن توجه إليه السؤال، فتقول له: «قل لي يا شارلز،
فيجيبك شارلز في تواضع جم: «لقد تعلمت أن ألزم حدود الأدب في حضرة من يفضلني.»
إن هذه الكلمات الذهبية كالعملة الصحيحة، لا تزال تحتفظ ببريقها كما كانت يوم صدرت عن دار سك النقود، والآن ونحن قادمون على المحاورات أقول: «اسمع يا كول، سوف ألزم حدود الأدب في حضرة
•••
وليست «المحاورات» إلا عنوانا ملائما، وإن يكن هو العنوان الذي يجب اختياره، وأي نزوع إلى منافسة «محاورات أفلاطون» التي سبقتها ضرب من السخف، بل إن هذه المحاورات وتلك على طرفي نقيض؛ فمحاورات أفلاطون قد صيغت لكي تبدو حديثا تلقائيا، أما محاورات هوايتهد فهي في الواقع حديث تلقائي، حتى لمختلف المتكلمين الذين كثيرا ما يطيعون وصية سقراط: «أن يتابعوا الجدل إلى حيث ينتهي.» وحتى في هذه الحالة يجب قراءة بعض ملاحظات هوايتهد في محيطها التاريخي المحدد مع مراعاة التاريخ المضبوط الذي أبديت فيه، وهو شرط من الشروط التي حتمها هوايتهد صراحة؛ وذلك لأن ما يشوق عصرا متأخرا في هذه المحاورات هو كيف كان الناس يحسون، وفيم كانوا يفكرون بشأن الحوادث وهي جارية وقبل إمكان صدور حكم نهائي فيها؟ وهو أمر قلما يذكره القارئ؛ لأن الجنس البشري، الذي يفتقر إلى بعد النظر إلى الأمام، يغرم غراما شديدا بالنظر نظرة تنبؤية إلى الوراء. وكم من عالم في التاريخ، عالي التأهيل، يطلع على بعض هذه الصفحات بعد طبعها، تراه يقع فورا في هذا الفخ، ويحتج قائلا: «كان ينبغي له حقا أن يكون أكثر
- «ولكن هل كنت أنت أكثر من ذلك علما في عام 1934م أو عام 1944م؟»
بيد أن هذا الجانب من المحاورات ليس كبيرا؛ لأن الجزء الأكبر من هوايتهد لا يتحدث عن أمور زائلة. كان اهتمامه بالحوادث اليومية يشغل ذهنه، وكان دائما يفكر تفكيرا مبتكرا في كل حادث، غير أن شعاع تفكيره الحق كان يتسلط على مدى قرون.
ويلاحظ أن بعض الموضوعات يظهر في هذه المحاورات من بدايتها إلى نهايتها، ومن السهل معرفتها، ولكن العودة إلى هذه الموضوعات بين حين وآخر ليس من قبيل التكرار؛ فكلما عاد ذكر الموضوع تعرض الفكرة من وجهة جديدة. وكان من الميسور أن يضم شتات الموضوع في عرض واحد شامل للفكرة، ولو فعلت ذلك لحرفت الأصل تحريفا لا يغتفر، وبدلا من أن أفعل ذلك رضيت أن أعود إلى الموضوع مرة بعد أخرى، وكل مرة أعرضه بشكل جديد يختلف باختلاف المناسبة، كأنه نغمة موسيقى تعلو حينا وتنخفض حينا آخر وفقا للجو الفني، وهذا العرض الذي يشبه العرض الموسيقي أقوى في النفس أثرا، وإن يكن من غير تدبير سابق (وكأني أستعد لصيد معين، ثم أطارده حتى أبلغ نهاية الشوط). ولا أجد بأسا من عرض الموضوع وما يناقضه، كأنه حركة موسيقية، حتى تأتي اللحظة التي يتملك فيها هوايتهد الزمام، كما يحدث كذلك عندما تعزف الموسيقى؛ وبهذه الطريقة تبلغ الحركة قمتها، وتأخذ الآلات الموسيقية في الهبوط تدريجا حتى يتم صمتها في هدوء.
وثمة تشبيه آخر بصري لمسز هوايتهد: «تفكيره كمنشور الضوء، يجب ألا تنظر إليه من جانب واحد فقط، ولكن من جميع الجوانب، ثم من أسفل، ومن أعلى، والمنشور - حينما تنظر إليه بهذه الطريقة وأنت تدور في حركتك - يمتلئ بالأضواء والألوان المتغيرة؛ فإن أنت نظرت إليه من جانب واحد فقط فكأنك لم تنظر إليه البتة.» فالرؤية من جانب واحد هي ما يسميه هوايتهد «نصف الحقيقة»: «ليست هناك حقائق كاملة، كل الحقائق أنصاف، ومن الضلال أن تحاول أن تعاملها باعتبارها حقائق كاملة.» (وقد صيغت من قديم ألغاز رياضية لإثبات ذلك.)
Bilinmeyen sayfa