المرأة والثورة
ظهر في اليوم التالي ذلك النداء الذي طلب من أعضاء الوفد نشره، فلم يؤثر في الرأي العام؛ لأن الجميع كانوا على علم بأنهم قد أرغموا على إعلانه، واستمر الإضراب يتسع حتى عم كل الفئات والطوائف والمجالات، وكانت أزمة جديدة رزحت تحتها البلاد، فضغطت السلطة على الحكومة لتهدد المواطنين بالفصل والعقاب إذا لم يكفوا عن إضرابهم ... وحاولت حكومة رشدي باشا أن تنصح لهم بالعودة إلى أعمالهم قبل أن تضطرهم القوة إلى ذلك، فثاروا ضدها ونادوا بسقوطها ... وجمع رشدي باشا كبار الموظفين مرة أخرى وأسدى إليهم النصيحة، فلم يقبلوها.
وقمنا نحن السيدات نؤيد هذا الإضراب، ونشجع الموظفين على عدم العودة إلى أعمالهم حتى تصل البلاد إلى نتيجة. وكتبت لجنة الوفد للسيدات إلى رشدي باشا خطابا تطلب منه الاستقالة إذا كان عاجزا عن تسيير دفة الأمور.
وقد علمت أنه كان عازما على تقديم استقالته، فلما وصله الخطاب قال: «النساء أيضا يطلبن استقالتي، وهأنذا سأقدمها، فلتطمئن نفوسهن.»
وقدم استقالته في الليلة نفسها، ولو أنه كان قد قدمها بعد الإنذار، لكان ذلك أفضل؛ لأنها كانت تعبر في ذلك الوقت عن الاحتجاج، ولو أن الإضراب انتهى قبل الإنذار كما نصح هو لكان أجدى.
وبعد استقالته خشينا أن يتغير الموقف، فأوعزنا إلى كثير من السيدات بالوقوف على أبواب الدواوين لمنع الموظفين المتخاذلين من الدخول إلى مكاتبهم، ولشد ما كانت دهشتنا عندما علمنا أن الموظفين ذهبوا زرافات ووحدانا إلى دواوينهم، كبارهم قبل صغارهم، وإن كان عدد كبير من صغار الموظفين قد أصروا على موقفهم، وظلوا مضربين حتى فصلوا من وظائفهم.
وكانت النساء اللاتي تولين الوقوف أمام الدواوين لمنع الموظفين من الدخول، ينتزعن أساورهن وحليهن، ويقدمنها لهم قائلات: «إذا كان أحدكم في احتياج لمرتبه، فليأخذ هذه الحلي، ولا تسودوا وجوهنا بالرجوع إلى أعمالكم بعد صدور الإنذار البريطاني» ... وللأسف فإن هذا الأسلوب لم يؤثر في بعضهم، فدخلوا إلى مكاتبهم وقدموا اعتذارات مختلفة يبررون بها غيابهم.
وقد رأيت هذا بعيني، فتألمت ألما شديدا رغم أني ألتمس لهم بعض العذر إذ صمدوا مدة طويلة، وليس لهم من سند في الحياة إلا مرتباتهم، ولكن هذا لم يوقف الثورة ولا الإضراب، بل زادهما انتشارا.
ولقد كانت المنشورات التي تطبع سرا وتوزع على المواطنين أثناء الثورة الوطنية هي إحدى الوسائل الفعالة في تبصير الرأي العام بما يجري، وتوجيهه إلى القيام بما يراد منه، ومن ذلك المنشور رقم 6 الذي أصدره الطلبة عن موجبات إجماع الطلبة على الإضراب، وجاء فيه:
إننا ما أضربنا إلا لطلب الاستقلال التام أو البت في قضيتنا أمام مؤتمر السلام ... وحتى الآن لم نسمع شيئا يتفاءل منه عن مسألتنا المصرية.
Bilinmeyen sayfa