Karanlığın Çatlaklarından: Hikayenin Henüz Bitmemiş Olması En Rahatsız Edici Olan Bir Mahkumun Hikayesi
من شقوق الظلام: قصة سجين أكثر ما يؤرق فيها أنها لم تنته بعد
Türler
أين أحلامي وكانت كيفما سرت تسير.
كلها ضاعت ولكن كيف ضاعت.
لست أدري.
انتابني وقتها شعور عميق وإحساس غريب بأن ما أسمعه هو نبوءة وليس أغنية أو شعرا. إنها نبوءة لعاصفة مدارية من ليال حزينة طويلة، سوف تلفني بعمودها الفارع في طوله كأنه يتحدى السماء، وتأخذني بعيدا إلى قلبها المظلم تائها حائرا لا أجد فيه سوى الفراغ لأتشبث به. لا، إنها ليست موجة من تشاؤم ولا هي نوبة تطير تمر على مسكين بائس قد بلغ به اليأس الزبى، ولا إنها نبات طفيلي لا جذر له نبت للتو على بركة الحزن. إنها نبوءة. هذا الشعور الغامض مثل شبح يرتدي قناعا ، آمن وصدق بالنبوءة واستقر راسخا في داخلي، وما زلت أتلمسه حتى اليوم في حناياي.
كان تصديقا مثل مكاشفة صوفي، بأن سنوات من ضياع طويل في غيبوبة جب عميق تنتظرني، بانتظار دلو ينزل علي من سيارة يسحبني ثانية إلى أرض الأخوة التي استحت من أفعالها الذئاب. لن تكون هذه النبوءة وحيدة، ولن تبقى مصادفة فريدة، بل ستظهر أكثر من واحدة تمد برأسها في عالم سريالي. عالم سريالي إنما ليس وهما ولا خيالا، بل هو الحقيقة الوحيدة التي سوف أعيشها وإن كنت لا أفهم مجراها ولا منطقها، وسيأتي الكلام عنها كل في حينه. قد لا أكون علميا أو واقعيا بنظر كثير، وحتى على خلاف طبعي في تفسير الأشياء وتعقلها، لكن لا يمكن لي أن أتجاوز هذه الوقائع الغريبة والمشاعر العجيبة فقط، لأني لا أريد أن أومن بالغيبيات أو بأحداث منتزعة من عالم الباراسايكولوجي. وجودها هو أدل دليل على حدوثها، ولأكن أكثر دقة وأقول: إنها قد حصلت مع هذه التفسيرات غير المنطقية مني وبهذه الأحاسيس الغريبة، لربما كل شيء وقع في صدفة محيرة، ومع ذلك فإنه قد وقع بالفعل، وحينما وقع آمنت به كما كنت أراه، وليس كما يجب أن أراه، ولأني عاهدت نفسي أن أكون صادقا فيما أروي وأقول، لا بد لي من الاعتراف وبغاية الصراحة: أني لا أقوى على تكذيب هذه الوقائع والمشاعر، وأعجز عن رميها بالصدفة والخرافة حتى هذا اليوم، رغم أن عقلي الرياضي يجحد التلازم بينها وبين ما جرى. الأمر بحاجة إلى ما هو أكثر من نفسي المضطربة الحائرة حينها لتفسيرها ولإصابة علتها الحقيقية، وأكثر من برودة المعادلات الرياضية التي لا تدرك سر العشوائية التي أنتجت بديع النظام.
جلست طويلا هناك إلى جوار العمود المفترض بسكون وهدوء تامين، ثم بعد تحقيق شكلي من تسجيل اسم ومعلومات أولية عن السن والوضع الاجتماعي والدراسي، قام باستجوابي عنها شخص لم أتعرف عليه. يبدو أنه لم يكن معنيا بنوع التهمة المزمع توجيهها إلي؛ لأنه كان يعمل بشكل إداري روتيني ليس إلا. أتى بعد ذلك شخص آخر اقتادني إلى أسفل البناية في المصعد الكهربائي نفسه. دخلت إلى معتقل يتكون من قاعة كبيرة وغرفتين وفسحة بين كل ذلك. بالطبع لم أر هذه الحجر حين دخولي لأول مرة؛ لأني كنت معصوب العينين، إلا أني رأيتها لاحقا. أركنت إلى حائط واتكأت عليه وصار موضع صغير مقابل باب إحدى الزنزانات محلا ليقظتي ومهجعي.
يداي سوف تستمر مقيدة للخلف ويحول بين النور وعيني تلك العصابة ذاتها، التي التصقت بها من هذا اليوم، ولأحد عشر يوما كاملة قادمة بلياليها. حتى عندما كان يقدم لي الطعام كنت أسحبه من الصحن في مشهد مدهش. كفاي مقيدتان إلى الخلف ترفعان ملعقة من حديد رخيص، وبالكاد تلامس شفتي أو تغرف شيئا من صحن الطعام، في عملية معقدة جدا لا يمكن تصورها وفق قوانين مرونة عضلات الجسم، إلا أن الحظ لم يكن سيئا تماما فقد كانت الوجبات مشبعة وجيدة الطبخ؛ طعمها ومذاقها لا بأس بهما، ولا يمكن لي أن أشكو منها، لم أقرف منها أبدا كما سأفعل بعد ذلك لدهر طويل مع الوجبات التي سوف أكره نفسي التي تعافها على تناولها مع أني في قادم الأيام سوف أتضور جوعا.
أي وجبة ستكون لذيذة المذاق تسكر الطاوي بريحها العطر، لكن رغم ذلك القحط والجوع لن أستسيغها، بينما وجبات هذا المعتقل الأول ومع أني كنت في أوائل أيامي من رحلة الخوف، ولا يخفى ما للأيام الأولى من خصائص أولها فقدان الشهية، بيد أني كنت أرى الطعام بحق لذيذا. المرة الوحيدة التي كنت أتحرر فيها من هذا المشهد الغريب، وأعني به ضم الأذرع إلى الوراء والعينين المعصوبتين كانت فقط حين يسمح لي بمراجعة الخلاء، أما ما عدا ذلك فلا. القيد والعصابة أصبحتا مفردتين ثابتتين في حياتي الجديدة.
الاستحمام كان ممنوعا، أو لنقل الحقيقة بوضوح أكثر أني لم أجرؤ على التفكير فيه فضلا عن طلبه، لم يكن معلوما عندي ما الذي يغضب الحراس الحانقين بلا سبب طيلة الوقت عما يرضيهم؛ لذا صار السكوت عندي وقتها معدنا غاليا للغاية، بل أنفس من كل المعادن والفلزات. صراعاتهم وشجاراتهم المستمرة فيما بينهم منعتني من التفكير في طلب أي شيء منهم، وحتى يفهم ترددي أكثر أذكر واحدا من أسباب شجاراتهم السخيفة التي كانت تصل إلى تبادل أقذع السباب وأفحش الشتائم. في أحد الأيام سحل أحدهم كيسا للخبز، واعترض عليه آخر رافضا أسلوب السحل؛ لأنه يريد أن يرفعه. اندلع بينهما شجار لم ينته إلا بوساطات من زملاء لهم وجهود تهدئة من آخرين، بعد أن وصل الأمر بينهم إلى حد الاشتباك بالأيدي، وامتلأ المعتقل صخبا بكل أنواع سب الآلهة والأديان. بالطبع في تلك اللحظات من الأفضل لأي معتقل أن يتحول إلى حجر صامت بلا حراك؛ لأن أي تأوه منه قد يجعله هدفا في مرمى النيران، ويتحول إلى كيس ملاكمة ينفسوا به عن غضبهم ويفضوا به اشتباكهم.
في يوم ما - وبلا سابق إنذار وبدون أي مقدمات - أغدق علي أحدهم إبريق ماء لأزيح عرقا تراكم علي من الخوف وحر الصيف وخنقة المكان المغلق الرطب لأكثر من أسبوع. لربما أزعجته عفونة ملابسي برائحة العرق المشبعة فيها في ذاك الصيف القائظ الذي ابتدأت به رحلتي. لا أدري ما الذي دفعه لهذا السخاء لربما تكون نفحة إنسانية منه، أو واجبا روتينيا عليه أن يقوم به. لم يستغرق الاستحمام سوى دقائق معدودة، لا تتجاوز حتى أصابع الكف الواحدة، كانت تكفي لإراقة الإبريق الصغير بعناية واقتصاد على كل زوايا جسمي وفي جميع الاتجاهات، بيد أني استغرقت بعدها وقتا أطول حين وقفت عاريا، حائرا بسؤال عسير الجواب، كشفته اللحظة ولم يرد بخاطري قبلها: كيف سوف أجفف قطرات الماء الملتصقة بجسدي الآن؟ طلبت منشفا من الحارس لفعل ذلك متشجعا بتسامحه وبكرمه المفترض، غير أنه رد علي بالضحك مقهقها باقتضاب، ضحكة اختلطت فيها الشفقة مع السخرية: هنا لا يوجد شيء اسمه منشفة.
Bilinmeyen sayfa