وما هي إلا أن ينشأ التنافس الثقيل المؤلم بين هاتين المرأتين، كلتاهما تريد أن تكون هديتها أجمل من الأخرى، ويقبل الزوج فيحكم على غرة، فيحكم لأمه وهو لا يدري، وإذا امرأته تسرع إلى آنيتها فتحطمها في ثورة وغضب، ثم تندفع في بكاء لا حد له، وتنصرف الأم سعيدة دهشة، ويخلو الرجل إلى امرأته فيريد أن يترضاها، ويحاول أن يتعرف الخبر، فإذا عرفه ضحك من طفولة امرأته، وأخذ يلاطفها ويداعبها، ولكنها تلقاه لقاء عنيفا، وما تزال به وبأمه ثائرة ملحة في أن تترك هذا البيت حتى يغضب الزوج، ويفسد الأمر بينهما، وإذا هما يتراشقان بألوان من العتب المر، وإذا هي تنذره، وإذا هي توعده، ثم ينصرف عنها بعد حوار طويل يحسن أن يقرأ لما فيه من دقة في تصوير هذه العواطف التي تصل بين الرجل وامرأته، والتي ما تزال بها صغائر الأشياء حتى تغيرها وتكدرها، ويعود إليها هادئا، ولكن أمه تقبل فتحمل إليه كتابا ينظر فيه ثم يدفعه إلى امرأته، فتبتهج له، وهو كتاب من أسرة صديقة لهذه الأسرة تدعوها إلى حفلة ستقيمها في إحدى الضواحي، فما أسرع ما تقبل هيلان الدعوة وتكتب بهذا القبول، ولكن الأم تعتذر وتلح في مكر على ابنها أن يذهب مع امرأته؛ لأنها متعبة، والطبيب يأمر بالراحة، ويحظر عليها تكلف المشقة، فإذا سألها ابنها عما تشكو ذكرت علة القلب في ألفاظ لا تلبث أن تخيف الرجل على أمه، وإذا هو يلح عليها في أن تستريح، ويريد أن يدعو الطبيب، فتأبى عليه، وتنصرف لتستريح في غرفتها، ويقبل الرجل على امرأته يطلب إليها في رفق أن تعدل عن قبول هذه الدعوة؛ لأن أمه لا تستطيع أن ترافقهما، وهو لا يريد أن يتركها وحدها، فيثور غضب هيلان، وتمزق كتابها، ويستأنف الحوار العنيف بين الزوجين، وقد فسد أو كاد يفسد بينهما كل شيء.
ويترك الزوج امرأته مغيظة محنقة محزونة، وتأتي الأم فإذا علمت أن الزوجين لن يقبلا الدعوة ابتهجت بذلك واغتبطت له، أليست قد انتصرت؟
وهذا هنري يقبل فتلقاه الأم في ظرف وتلطف لم يتعودهما، فإذا انصرفت وخلا إلى صاحبته أخذ يظهر دهشه لهذا الظرف غير المألوف، وما يزال بهيلان حتى تظهر له ما تجد من حزن، وتشكو له سوء حالها، وإذا هذه الشكوى تشجعه على أن يظهر ما كان قد أضمر، وإذا هو يعلن إلى هذه المرأة حبه ويلح في إعلانه، وهي تدفعه وتتهمه بالأثرة والجبن؛ لأنه ينتهز فرصة هذا الحزن ليخون صديقه، ويستغل موقفا ما كان يحسن أن يستغله.
وما تزال به حتى يفيق، وإذا هو يشكو ويعتذر ويستعطف، وهي تدفعه راثية له عاطفة عليه، طالبة إليه أن ينصرف، فيفعل مودعا بألفاظ فيها حب، وإنه ليقول هذه الألفاظ منصرفا، وإذا الأم تدخل من باب آخر فتسمع ما يقول، وتراها هيلان، وتعرف أنها قد سمعت فتضطرب وتستحي، وتحاول أن تحملها على الكلام فلا تظفر بشيء، وهي الآن تتملقها وتترضاها، حتى إذا استيأست منها انصرفت محزونة مروعة.
ويقبل الزوج فيتحدث إلى أمه عاتبا؛ لأنه يراها سالمة بارئة لا علة بها، فينكر تمارضها منذ حين، ويرثي لامرأته، ويعلن إلى أمه أنه قد يقبل رأي امرأته، ويتخذ معها بيتا خاصا، فتثور الأم ولكنها ثورة لا تخلو من دهاء ومكر، فهي تعلن إلى ابنها أن امرأته إن كانت ترغب في هذا الاستقلال فهي إنما تريد أن تخلص من رقيب خطر، ولا يكاد الرجل يسمع هذه الكلمة حتى يأخذه الشك، فيستوضح، فتأبى عليه، فيلح، فتأبى عليه، ولكن إباء المعرض المغري، وإذا الغيرة قد أخذت تعمل عملها في نفسه، وما يزال يستدرج أمه حتى تذكر اسم هنري وزياراته المتصلة، فتشتد الغيرة، وتتضح التهمة في نفسه، وترى أمه هذا كله فتجزع له بعض الشيء؛ لأنها قد وصلت إلى أكثر مما كانت تريد، والرجل ثائر يطلب امرأته، فإذا أقبلت لم يلبث أن يسألها عن هنري، وأن يتهمها بالريبة.
فقدر أنت ثورة هذه المرأة البريئة، ولكن قدر في الوقت نفسه ثورة زوجها حين تأبى أن تدفع عن نفسها، وما يزال الأمر يشتد بينهما حتى يبلغ أقصاه، وإذا هو يهجم على امرأته يريد أن يضربها، وإذا هي تعلن إليه في عنف أن هنري خليلها، وأنها لاحقة به، وتنصرف مسرعة فيتبعها، ثم لا يدركها فيعود، وتقبل أمه كأنها تريد أن تعزيه، فيوليها ظهره صامتا، وتفهم أن قد كان بينها وبين ابنها من الشر ما لا سبيل إلى استدراكه. •••
فإذا كان الفصل الثالث فقد مضى أسبوعان على ما حدثتك به، ونحن نرى الأم في حجرة الاستقبال تلك مستلقية كالمتعبة، والخادم يتحدث إليها، فنفهم أنها مريضة، وأنها تخفي مرضها على ابنها، ونفهم أن ابنها محزون حزنا لا حد له ملازم لمكتبه، لا يكاد يريمه، مؤثر للوحدة والصمت، بعيد كل البعد عن أمه، يعيش معها وكأنه لا يراها، وقد أخذ الخادم يشفق عليه، وآية ذلك أنه جمع أجزاء الآنية التي حطمتها امرأته فضم بعضها إلى بعض، وأعاد الآنية كما كانت، ووضع فيها زهرا يحسب أنه يحسن بذلك إلى سيده.
وهذا الابن قد أقبل فيتحدث إلى أمه حديثا سقيما متقطعا، ملؤه الحزن والغيظ والحقد أيضا، وما تزال به أمه حتى تصل به إلى موضوع حزنه، وإذا هو يشكو أنه شديد الندم على ما فرط منه لا يستطيع أن يتعزى، لا ينام ولا يخرج، ولا يستطيع أن يفكر، ولا أن يحتمل البيت منذ خلا من امرأته، ولقد تبعها يوم انصرفت فلم يدركها، وأسرع إلى بيت صديقه فقيل له إنه خرج ومعه امرأة، فانتظرهما الليل كله فلم يعودا، ورجع إلى البيت مرات حتى عرف أن صديقه سافر إلى الهند، فهو محنق محزون يأسف لأن امرأته قد تركته، ولأنه لم يستطع أن يقتلها ويقتل معها صاحبها، ثم نفهم أيضا حقده على أمه؛ لأنها أفسدت بينه وبين امرأته، وكانت أثرة مسرفة في الأثرة، لا تفكر إلا في نفسها، ولا تحسب لسعادة ابنها حسابا، والأم تدفع عن نفسها وتألم لشقاء ابنها، وقد انصرف عنها؛ لأنه رأى سيارة مقبلة، فيخاف أن يلقى الزائرين، ولكن هؤلاء الزائرين ليسوا في حقيقة الأمر إلا امرأة تدخل فتنكر الأم مكانها، وهذه المرأة هي هيلان.
تلقاها الأم لقاء فيه بغض وحقد، وفيه اتهام بالريبة والإثم، ولكن هيلان لا تلبث أن تثبت براءتها، وأنها إنما اتهمت نفسها حنقا وغيظا، ثم تهم أن تنصرف فتمسكها الأم، ويكون بينهما حوار لا أحبه؛ لأن فيه فلسفة ربما ثقلت على الملعب، فيه تحليل للحب الزوجي، وتحليل لحب الأمهات، ومحاولة لتحديد الموقف الذي يجب أن يكون بين الحبين، ومهما يكن أمر هذا الحوار فقد اقتنعت الأم بأن سعادة ابنها عند امرأته لا عندها، وكأنها قد أخذت تحب هذه المرأة.
وهذا ابنها يقبل فإذا رأى امرأته أنكر مكانها، وهمت أمه أن تنصرف فيمسكها، ولكنها تنتهز فرصة وتتركهما وجها لوجه، فيكون بينهما جدال يتهمها وتدفع عن نفسها، ويأبى أن يصدقها، فتلح في الدفاع، وتقص ما كان بينها وبين صاحبها، فإذا هو قد عرض عليها الحب فأبته عليه، فافتقدته بعد ذلك فلم تعرف أين هو، وهي تجهل سفره بل تجهل مكانه، ولكن زوجها لا يصدقها، ولا يريد أن يسمع لها، فتنهض مستيئسة تريد أن تنصرف، حتى إذا بلغت باب الحجرة سمعت زوجها يدعوها فتعود إليه مبتهجة، ولكن الأم تقبل في هيئة السفر تودع ابنها، فإذا سألها أنبأته بأن أمور ثروتها مضطربة، وأنها تريد أن تشرف عليها من قريب، وأن الطبيب يشير عليها بترك باريس، وما تزال بابنها حتى يطمئن إلى هذا السفر كارها، وتأبى عليه أن يشيعها وتقبله، وتوصي امرأته به خيرا، وتنصرف مسرعة، ويقف ابنها أمام النافذة وكأنه يريد أن يودعها، وتسمع حركة السيارة، فتقول هيلان لزوجها: «تركتها تسافر؟» فيجيبها: «وماذا يعنيك ما دمت أنت ستبقين؟»
Bilinmeyen sayfa