822

الحجة الثالثة: ذكرها أبو علي بأنه لو لم يجب اللطف لدل على أن الله لم يرد الطاعة من المكلف أو أراد منه المعصية، واعترضه أبو هاشم بأن الإرادة متقدمة على وقت اللطف ومقارنة للتكليف فلا يدل عدم اللطف على زوال شيء قد ثبت وهو الإرادة، ولا يقدح أيضا في حسنها، ولا يقتضي حصول ضدها بدلا منها، وصار كما نقول في أن الله تعالى لو لم يثب المطيع لما توجه إلى الله تعالى الذم لأجل التكليف حسن لتكامل شرائط حسنه، فما تأخر عنه لا يؤثر في حسنه ولا قبحه.

قال الإمام عز الدين عليه السلام : واعلم أن الذي أورد على دليل أبي علي يرد مثله على دليل الجمهور في قولهم: لو لم يلطف لكان ناقضا للغرض بالتكليف؛ لأن معنى نقض الغرض انكشاف عدم الإرادة للفعل المكلف به ولتعريض المكلف إلى درجات لا تنال إلا به، وإن كان يظهر أن الجمهور جعلوا وجه وجوبه ألا ينتقض الغرض، وأبو علي جعل وجهه ألا ينكشف عدم الإرادة.

قال عليه السلام : وكلامهم في الظاهر أقوم وإن كان في الحقيقة أن المعنى واحد.

قلت: وفي قوله عليه السلام إن معنى نقض الغرض انكشاف عدم الإرادة نظر لما مر من أنهم أرادوا بالغرض تعريض المكلف لمنافع، وأن الكلام مفروض مع استمرار الحال في الإرادة وبقاء الغرض بالتكليف، أي أنهم إنما أوجبوا اللطف لئلا ينتقض الغرض مع بقائه، وبقاء الإرادة، فلا يرد عليهم ما ورد على أبي علي.

احتج بشر بن المعتمر وأتباعه بوجوه:

أحدها: أن اللطف لو وجب على الله لما وجد عاص، إذ ما من مكلف إلا وفي مقدور الله تعالى من الألطاف ما لو فعل به لاختار الواجب وترك القبيح، فلما وجدنا في المكلفين المطيع والعاصي ظهر لنا أن اللطف لا يجب؛ إذ لو وجب لوقع لمنع حكمة الباري تعالى وعدله من الإخلال بالواجب.

Sayfa 829