155

قلت: لعله أراد ببعض متأخري الشيعة (الشيخ الحسن بن محمد الرصاص)، فإن صاحب الجوهرة ذكر أن كلما لم يكن العلم بصحة الشرع موقوفا على العلم به، فإنه يصح أن يعلم بالعقل والشرع، قال: وقد مثل ذلك في الكتاب بكونه تعالى موجودا ونفي التشبيه، والرؤية، وكالعلم بكون القياس، وخبر الواحد طريقا يجب العمل بهما، ثم قال: فأما كونه تعالى موجودا فممتنع، وأراد بالكتاب كتاب الشيخ الحسن كما يظهر من كلامه في ديباجة الجوهرة. والله أعلم.

وقالت (الإمامية) و(البكرية) -وهم أصحاب بكر بن عبد الواحد- من المجبرة وبعض المحدثين: بل يصح الاستدلال على ثبوت الباري بالظني من الآيات وغيرها مثيرا، وغير مثير.

والجواب: أن الاستدلال بغير المثير دور؛ لأنه لا يكون دليلا إلا لكونه من عند الله، ولا يثبت كونه من عنده إلا بعد ثبوته، وثبوت عدله، فيتوقف الدليل على حصول المدلول عليه، وهذا هو الدور.

قال السيد المحقق (أحمد بن محمد بن لقمان) رحمه الله: اللهم إلا أن يقال: إنه يصح الاستدلال بكتابه تعالى على وجوده، لكن لا على طريقة الاستدلال به على الأحكام الشرعية، بل على طريقة أخرى، وهي أن يقال: قد ثبت أن القرآن كلام والكلام لا بد له من متكلم، وليس المتكلم به البشر لما ثبت من عدم قدرتهم على معارضته، وقد تحدوا بها فلم يقدروا، فلم يبق إلا أن يكون المتكلم به غيرهم مخالف لهم في جميع صفاتهم، وليس ذلك إلا الله تعالى، فهذا الاستدلال صحيح كالاستدلال بسائر المخلوقات.

قال رحمه الله: وقد نبه الله على هذا في قوله تعالى: {هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب}[إبراهيم:52]، فبين تعالى أن القرآن جميعه بلاغ، ومنذر، وسبب للعلم بوحدانيته تعالى، وللتذكر والتفكر من أهل العقول، وليس ذلك إلا على الطريقة التي ذكرناها، فلتتأمل والله أعلم، ذكره في شرحه على الأساس.

Sayfa 155