Matlac Budur
مطلع البدور ومجمع البحور
دمث الأخلاق متواضعا، يألف الفقراء ويألفونه، أقام بصنعاء المحروسة بجوار مسجد الأخضر في الجانب القبلي من صنعاء، كان له بيت ملتصق بالمسجد من جهة اليمن ينسب إلى الإمام الفقيه العابد إبراهيم الكينعي، ولم يجدد السيد - رحمه الله - فيه عمارة إلا في آخر أيامه، عمر له السيد الرئيس(1) محمد بن الحسين بن علي بن جحاف غرفة، وكانت مأوى الفضلاء لا يزال مقامه محجوجا مزورا بعيون العلماء في غالب الأوقات كالقاضي صارم الدين إبراهيم بن يحيى، والقاضيين العالمين محمد وعبد الله ابني أحمد الجربي، والعلامة الوجيه عبد الرحمن الحيمي وأضرابهم، وكان مقامه مجمعا لكل فضيلة، وأكثر هؤلاء تلامذة له، وكان يعول عليه في علم الكلام والعربية والمنطق، قرأ (الرسالة الشمسية) قراءة تحقيق على الشيخ الكبير الرحال أحمد بن علان الشافعي، قدم من مصر واستقر بمسجد الزبير - بالزاي بعده باء موحدة ثم(2) تحتية باثنتين ثم راء مهملة بصيغة التصغير - وكان إماما في العلوم فاضلا، وهو أخو الشيخ محمد بن علي بن علان الشهير بمكة، إلا أن الرتبة في الفضل متفاوتة، فإن هذا أحمد كان وحيدا مع عبادة تامة كاملة وانفراد عن الناس، فقرأ السيد الحسن والسيد العلامة علي بن بنت الناصر، والسيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي - رحمهم الله - وتمموا (الرسالة الشمسية) في ثمانية عشر شهرا، قراءة تحقيق، وأجازهم الشيخ وقدمهم في الإجازة على ما عرفه في ترتيبهم(3) في التحقيق، فبدأ بالسيد علي بن بنت الناصر، ثم السيد العلامة محمد بن عز الدين، ثم السيد الحسن المذكور، وكنت من المواضبين لحضرته لكمال أنسه وحميد صفاته، فإنه كان روضة أريضة، وقرأت عليه (المطول) شرح سعد الدين التفتازاني للتلخيص وهو الشرح الذي يسمى بالهروي كا قاله الدماميني، ولبثنا بقراءته تسعة أشهر، وكان يمتعنا بأخبار الفضلاء، فإنه تعمر كثيرا، وكان يروي عن السيد علي بن بنت الناصر /24/ ما تقر به العين، من الكمال والعقل الرصين، والعلم الراسخ والتحقيق والشرح المتين، ودارت بينهما أبيات تدل على فضل علي بن بنت الناصر، وذلك أن علي بن إدريس البعداني الذي كان بصنعاء كان لبقا في المقال مسلطا على الأعراض جسورا على الفضلاء، فدار في مجلس السيد علي بن بنت الناصر بين جماعة من الفضلاء بمحضر السيد الحسن ومنزله، مفاكهة ومراجعات أدبيات وعلميات، فكان من الفقيه علي بن إدريس ما علق به من السخريات وما لا يليق بالفضلاء، فكان ذلك سببا لتجنب السيد علي بن بنت الناصر لمجلس السيد الحسن فدارت بينهما معاتبات أنشدنيها السيد الحسن وفاتت عني لعدم التقييد، وأرجو من الله الظفر بها، فهي فيما جمعته (بحبور) عند أولاد حفيده السيد يحيى بن علي بن الحسن، ولم أحفظ إلا بيتا من نظم السيد علي بن بنت الناصر، وهو:
بسوحك حيات وأنت ابن آدم ... وذاك اللعين المبتلى نجل إبليس
(1)وكان للسيد الحسن نظم حسن واتفق أن الباشا حبسه لما ظنه فيه من خلطته للإمام القاسم، فكتب من الحبس إلى تلميذه القاضي العلامة إبراهيم بن يحيى الشجري السحولي - رحمه الله -:
أيا صاحبي إما حبست فلا تكن ... قنوطا فإن اللطف يا صاحبي ساري
لعل وراء الغيب أمر يسرنا ... بقدرة من في علمه الخالق الباري
فذيل البيتين القاضي صارم الدين - رحمه الله - فقال:
وإني لأرجو غارة نبوية ... تفك بعون الله عسري بإيساري
وعونا على دفع النوائب عاجلا ... فيا خالقي حقق رجائي وإضماري
ومما كتبه السيد إلى القاضي - رحمهما الله - ملاطفا.
يا فقيه الأنام يا من عليه ... عمدة المسلمين فقها ونحوا
وله في الأصول حظ جزيل ... في قياس وفي صفات وفحوا
ما الذي يفعل المحب إذا ما ... شاقه شادن من الترك أحوا وقوام كغصن بان ووجه ... من بدور الكمال أسنى وأضوا
Sayfa 36