335

ومن عجائب الاتفاق والشيء بالشيء يذكر ما حكي عن ابن أبي عباد التميمي وزير الأمير أبي العتاهية عبد الله بن بشير بن طريف صاحب الهادي إلى الحق - عليه السلام - وهو في طبقة عالية في الفضل حري بإفراد ترجمة، فإنه من كبار الأمراء وعظماء السلاطين، وكانت تحت يده مملكة، وهو المستدعي للهادي إلى اليمن، ونسك وأذاب شحمه، وقلل لحمه بالصوم، وكان يقول: اذهب الشحم واللحم النابتين من السحت، فما زال كذلك مصابرا مجاهدا محتسبا خاشع القلب، مكافحا لأعداء الله، متعرضا(1) لنفسه لطلب الشهادة حتى ختم الله بها، وأعطاه طلبته، وقصة ابن أبي عباد معه أنه خلا مجلس أبي العتاهية يوما من الغلمان، وقد اشتد عطشه واشتاق إلى الماء وطلبه فقام الوزير إلى البرادة فأتاه بكوز من ماء، فلما دنا منه أمسكه في يده ولم يناوله إياه، ثم قال: سألتك بالله أيها الأمير لو منعت هذه الشربة /205/ بم كنت تشتريها؟ قال: بنصف مملكتي هذه، فسكت ثم ناوله وقال: اشرب يهنا، فلما فرغ أخذ منه الكوز، وقال: سألتك بالله لو حبست في جسدك هذه الشربة فحصرت فيه بم كنت تشتري خروجها من بدنك؟ قال: بالنصف الثاني من المملكة، فقال: أصلح الله الأمير مملكة لا تساوي إلا شربة من ماء، ما هي من شيء، فانتبه الأمير وقال: لا شيء، ويحك: فما نصنع، وكيف السلامة مع ما نحن فيه، وكيف الخلاص منه؟ فقال: تبعث إلى شريف فاضل قد بلغنا خبره من آل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ينزل بنواحي الرس وأعمال المدينة، يقال له: يحيى بن الحسين، فلعل الله ينجيك به وعلى يديه، فاستدعاه من الحجاز، وأعطاه مملكته بصنعاء، وقد ذكر الشريف علي بن محمد بن عبيد الله العلوي العباسي ما يدل على فضل هذا الوزير بهذه القصة، اتفقت بصفتها مع محمد بن أبي السماك مع الرشيد.

Sayfa 371