327

قال سيدي الهادي: حدث(1) الوالد العلامة السيد عزالدين/200/ محمد بن إبراهيم بن مفضل، قال: حدثني الفقيه العلامة شرف الدين حسن بن محمد النحوي، صاحب التذكرة، قال: كنت صبيا في سن التعليم فرحت مع أبي إلى جامع صنعاء، فاتفق مرة بهؤلاء السادة، فرأيت منه تعظيما كليا وتجليلا سنيا، لم أر منه مثل ذلك لأحد فقلت لأبي: من هؤلاء يا أبت؟ فقال: أولاد مفضل بن منصور. قال الفقيه حسن: وكان هؤلاء الإخوة كالملائكة في الناس. وقال الفقيه: كان السيد المرتضى يعرف بالوسامة الباهرة والفضل العظيم وما كأنه إلا ملك يمشي على الأرض، وكان المرتضى أعلمهم وأشهر بالعلم، وأحمد أشهرهم بالمروة والإتقان، وإبراهيم أكثرهم مواظبة على الجهاد، وكان المرتضى لهم في محل الوالد يعترفون بفضله، ويشهرون(2) بارتفاع قدره ومحله، لا يعرض بينهم شيء مما يعرض بين الإخوة قط، وكان أحمد بن مفضل له نفاسة عظيمة، ووجه عند الناس وإجلال كلي، فكانت تأتيه الأموال من جميع جهات المغارب المحاذية لهم و(حضور) كله وبني شهاب(3) والخيام(4) وسائر البلاد التي هو فيها والمتباعدة عنها والقريبة منها، فيصرف جميع ذلك في مستحقه، ولا يترك منه شيئا، فكانت نفسه شريفة، ومقاصده صالحة زليفة، وكان مع هذا صاحب معرفة وبصيرة تامة، وتولع بالعلم، وقرأ على الأمير صلاح الدين، صلاح بن إبراهيم تاج الدين ونسخ (شرح الجمل)، ووصل هو وأخوه إبراهيم لزيارة أخيهما المرتضى إلى (شظب)، وكانت أختهم الشريفة الفاضلة أم البركات في (الشرف) زوجة لابن عمهم أحمد بن العفيف، فأمرهما أخوهما المرتضى أن يتقدما إلى الشرف لزيارتها، فامتثلا أمره ورجعا بعد تأدية الحق، وتوفي أحمد بن مفضل بوقش بعد أن عمره(1). ومن عجيب ما روي عنه ما اتفق له مع الشريف المرتضى - رحمه الله - حين توجه إليه للعلم، وذلك أنه لما سار إليه لطلب العلم أكرمه، ورفع محله، وقال له لمكان قرابته منه: هل لك في الزواجة؟ قال: لا أكره ذلك، قال: فإني قد زوجتك ابنتي فلانة، فعقد له في تلك الحال، ودخل بأهله - رحمه الله -.

وقريب من هذه القصة قد اتفق لمفضل بن منصور وذلك أن السيد محمد بن المطهر الحسيني الزيدي خطب إليه ابنته فأجابه، وأضافه، فلما أمسى ودخل معهم لأكل الطعام، قال له: قف في المنزل، ثم قال لامرأته أصلحي شأن ابنتك ولا يكن بد من ذلك، فاعتذرت بعدم الإمكان لأمور، منها أنها لا تجد قميصا لها، فقال: ألبسوها قميصي - جزاه الله خيرا -.

قلت: واعلم أنه قد يتكرر ذكر وقش في هذه التراجم، وهو بالواو بعدها قاف بعدها شين معجمة من أطراف بلاد بني شهاب، كانت مطالع الكمال، وغاية شد الرحال، فيها الخطيب الملاق(2)، والعالم الزاخر الأمواج، والزاهد الناسك /201/، وفيها قبور جلة من العلماء من السادة وغيرهم، وإلى ذلك يشير بعض السادة - رضي الله عنهم -:

في الشعب من وقش عقول راجحة ... ومشائخ سلكوا الطريق الواضحة

والآن قد صارت خربة بقول القائل:

مدارس آيات خلت عن تلاوة ... ومنزل ذكر مقفر العرصات

وفيها يقول السيد الحافظ محمد بن إبراهيم الوزيري:

لا تجزعي إن ضمئت يا وقش ... أو امتحى من بناك ما رقشوا

أو(3) غاب عنك الأولى دعوا شفقا ... تعاهدتك العهاد يا وقش

فقد عفت مثلك البلاد معا ... ومسها مثل مسك العطش

غارت بحار العلا وأنجمها ... معا فعم العطاش والعطش

مكة تشكوهما وطيبة والأم ... صار لا جرعة ولا غبش

داعي العلا والعلوم ليس له ... بها مجيب قد عمها الطرش فانتظري كانتظارها فرجا ... من الذي الميت منه ينتعش

Sayfa 363