وبعد: فإن حقوق الإنسان المثالية أمل من آمال الطوبيات التي نترقبها في المستقبل، ولا نتبينها على جليتها في مجتمع من مجتمعات الأمم الحاضرة ولا الأمم الماضية، كائنا ما كان قسطها من الحضارة والمعرفة؛ لأن المجتمع الأمثل صورة متخيلة، لم يزل رواد الإصلاح أنفسهم يتلمسون إليه السبل ولا يتفقون عليها ولا على الغاية المنشودة التي تؤدي إليها.
بيد أننا نستطيع بغير تردد أن نفهم أن المجتمع الأمثل ليس هو المجتمع الذي تضطر فيه المرأة إلى الكدح لقوتها وقوت أطفالها.
وليس هو المجتمع الذي تعطل فيه أمومتها، وتنقطع لذاتها، وتنصرف إلى مطالبها وأهوائها.
وليس هو المجتمع الذي ينشأ فيه النسل بغير أمومة، وبغير أبوة، وبغير أسرة، كأنه محصول من محاصيل الزراعة التي تتولاها الدولة عن الجماعة البشرية. •••
وإذا اتخذنا حالة المرأة النافعة لنفسها ولنوعها مقياسا للمجتمع الأمثل، فخير ما يكون عليه هذا المجتمع - إذن - أن تكون المرأة فيه مكفولة المؤنة في أمومتها، وأن تكون لها كفاية الأم التي تؤهلها لتزويد الأمة بجيلها المقبل، على أصلح ما يرجى من سلامة البدن وسلامة الفكر والطوية.
وفي مثل هذا المجتمع تجري العلاقة بين الجنسين على سنة توزيع العمل وتقسيم الحقوق بالقسطاس؛ كل جنس يتكفل بما هو أوفق له وأقدر عليه، ويملك من الحقوق ما يحتاج إليه، ويتخلى عن العمل الذي لا يناسبه ولا يلجأ إليه إلا على اضطرار.
ومركز المرأة حيث أقامها القرآن الكريم، كفيل لها بكل ما يعوزها لتحقيق رسالتها الفطرية في هذا المجتمع المثالي على الوجه الأمثل.
ويحدث في المجتمعات الحاضرة أن تحول العوارض الكثيرة دون انتظام المجتمع على هذه السنة القويمة من توزيع الأعمال وتقسيم الحقوق، لاختلال أوضاعه السياسية والاقتصادية والنفسية، فيما يعم الرجال من جميع الطبقات ولا يخص المرأة وحدها بين حياة الأسرة والحياة العامة، فتضطر المرأة إلى الكدح لقوتها وقوت صغارها، وتعجز عن تكاليف الأمومة، وتدبير البيت، والمشاركة بحصتها من الحياة الزوجية. وهذه حالة خلل تتضافر الجهود لإصلاحها وتبديلها، ولا يصح أن تتضافر لإبقائها واستدامتها وإقامة الشرائع والقوانين لتثبيتها. وعلى هذا النحو تضافرت الجهود من قبل على إصلاح الخلل الذي كان يدفع بالأطفال إلى العمل لمعاونة الآباء والأمهات في تحصيل أقواتهم وضرورات معيشتهم، فعولج هذا الخلل بتحريم تشغيلهم، وعولج الخلل من قبيله بالحظر العاجل تارة وبالحظر المتراخي مع الزمن تارة أخرى، ولم تكن علة من علل هذا الخلل وأشباهه حجة على صلاحه وإقامته مقام الحق الذي يصان ولا يتبدل. •••
وقد تمضي السنون، بل تمضي القرون، قبل أن يستقر المجتمع الإنساني على الوجه الأمثل في حقوق المرأة خاصة، وفي حقوق أبنائه وبناته من الرجال والنساء على التعميم، وقد تلجأ المرأة غدا كما تلجأ اليوم إلى كسب الرزق ودفع الحاجة، والاعتصام بالعمل من الضنك والتبذل، فإذا سيقت المرأة إلى هذه المآزق، فليس في أحكام الإسلام حائل بينها وبين عمل شريف تزاوله المرأة الغربية. وليست كثرة العاملات في الغرب اليوم وقلتهن في الشرق لمانع من موانع الأحكام الإسلامية، وإنما هو الفارق بين مجتمع ومجتمع، وبين أطوار وأطوار، ومثل هذا الفارق كان على أقواه وأشده بين مجتمعات الغرب اليوم ومجتمعاته بالأمس. فندر عدد المشتغلات بالأعمال العامة بين الغربيات من قبل لأسباب اجتماعية واقتصادية، ويندر عدد المسلمات المشتغلات بها اليوم لأسباب كتلك الأسباب، وقد يطرأ عليها التبديل عجلا أو متمهلا على حسب الأحوال.
وفي وسع المرأة المسلمة التي تحرم قوامة البيت أن تزاول من العمل الشريف كل ما تزاوله المرأة في أمم الحضارة، فلها نصيبها مما اكتسبت ، ولها مثل الذي عليها بالمعروف، وذلك حقها الذي تملكه، كلما سيقت إليه أو كلما اختارته لمصلحتها، وذلك حقها في القرآن الكريم.
Bilinmeyen sayfa