والمؤمنات مطالبات بذلك:
وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون [النور: 31].
وقد نهى الرجال عن الزينة المخلة بالرجولة، ونهى النساء عن مثلها:
وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى [الأحزاب: 33].
والمفهوم من هذا النهي لم يختلف عليه أحد من المخاطبين به، ولا من المفسرين لآيات الكتاب . يقول الكشاف وهو من التفاسير المتقدمة: «فإن قلت: لم سومح مطلقا في الزينة الظاهرة؟ قلت: لأن سترها فيه حرج، فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيدها ومن الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها، وخاصة الفقيرات منهن. وهذا معنى قوله:
إلا ما ظهر منها
يعني: إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره، والأصل فيه الظهور. وإنما سومح في الزينة الخفية أولئك المذكورون لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ومخالطتهم، ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم، ولما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك.»
والمتأخرون من المفسرين على مثل ذلك الفهم للزينة التي يجوز إظهارها، ومن أحدثهم الأستاذ طنطاوي جوهري صاحب تفسير الجواهر؛ حيث يقول: «إلا ما ظهر منها عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم والكحل والخضاب في الكف وكالوجه والقدمين، ففي ستر هذه الأشياء حرج عظيم، فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها ومن الحاجة إلى كشف وجهها، لا سيما في مثل تحمل الشهادة والمعالجة والمتاجرة وما أشبه ذلك، وهذا كله إذا لم يخف الرجل فتنة، فإن خافها غض بصره.»
والمفهوم من الحجاب على هذا واضح بغير تفسير، فليس المراد به إخفاء المرأة وحبسها في البيوت؛ لأن الأمر بغض الأبصار لا يكون مع إخفاء النساء وحبسهن وراء جدران البيوت وتحريم الخروج عليهن لمزاولة الشئون التي تباح لهن، ولم يكن الحجاب كما ورد في جميع الآيات مانعا في حياة النبي عليه السلام أن تخرج المرأة مع الرجال إلى ميادين القتال، ولا أن تشهد الصلاة العامة في المسجد، ولا أن تزاول التجارة ومرافق العيش المحللة للرجال والنساء على السواء، ومهما يكن من عمل تزاوله المرأة في مصالحها اللازمة، فلا عائق له من الحجاب الذي أوجبه القرآن الكريم، ولا غضاضة عليها فيه؛ لأنه يطلب من الرجل فيما يناسبه كما يطلب منها فيما يناسبها.
ومن الحسن أن نذكر أن الأمر بالقرار في البيوت إنما خوطب به نساء النبي عليه السلام، لمناسبة خاصة بهن لا تعرض لغيرهن من نساء المسلمين، ولهذا بدئت الآية بقوله تعالى:
Bilinmeyen sayfa