كان أحد الرجلين ينظر في الأرض، ولكن ظننت أنه كان يبتسم. أما الآخر، فكان ينظر إلي مباشرة، رافعا حاجبيه قليلا في توبيخ هزلي. فلم يكن الرجلان اللذان كانا يعرفان من أنا، واللذان كانا يعرفان والدي، على الأرجح ليسمحا لنظراتهما بأن تقول الكثير.
وأدركت الأمر؛ لقد كانت تعتقد - بل كانوا جميعا يعتقدون - أنني كنت تحت الشجرة، مساء أمس أو مساء يوم آخر، مع رجل أو صبي.
قالت ميريام: «اذهبي إلى منزلك. اذهبي إلى منزلك أنت وأساورك ولا تعودي للعبث في أملاكي في المستقبل! اذهبي.»
كانت ميريام ماكالبن معروفة بنزعتها للصياح في الآخرين بصوت عال؛ فقد سمعتها ذات مرة في متجر البقالة تصيح بأعلى صوتها بسبب بعض ثمار الخوخ المعطوبة. كانت الطريقة التي عاملتني بها متوقعة، وبدت الشكوك التي راودتها بشأني وقد أثارت داخلها شعورا واضحا لا التباس فيه من الاشمئزاز الشديد الذي لم يمثل أي مفاجأة لي.
كان الرجلان هما من أصاباني بالغثيان ؛ بنظراتهما التي رمقاني بها والتي جاءت موحية بالاستنكار المستحق والتخمين الحقير، والتهدل والغلظة السمجين في ملامح وجهيهما، مع ارتفاع مستوى الأفكار القذرة في رأسيهما.
خرج عامل الإسطبل وسط هذه الأحداث، كان يقود فرسا مملوكا لأحد الرجلين أو كليهما، وتوقف في الفناء ولم يقترب قيد أنملة. لم يكن يبدو أنه ينظر إلى مخدومته، أو إلى صاحبي الفرس، أو إلي، ولا يعير أي اهتمام للحدث من الأساس؛ فقد كان معتادا على أسلوب ميريام في تعنيف الآخرين.
كانت أفكار الآخرين بشأني - ولا أقصد فقط نوعية الأفكار التي ربما راودت الرجلين أو ميريام، فقد كان لكل نوع خطورة شديدة في حد ذاته - وأي أفكار على الإطلاق، تبدو لي كتهديد غامض، ووقاحة شديدة؛ فقد كنت أكره حتى أن أسمع شخصا يقول شيئا ليس به نسبيا ما يسوء. «لقد رأيتك تسيرين في الشارع قبل أيام، وقد بدوت حالمة.»
كانت كل الأحكام والتخمينات مثل سرب من البق يحاول التسلل إلى فمي وعيني. كان بإمكاني أن أسحقها، أتفلها. •••
همست لي شقيقتي حين عدت إلى المنزل قائلة: «دنس. هناك دنس على ظهر بلوزتك.»
شاهدتني وأنا أخلعها في الحمام، وأدعكها بقطعة من الصابون. لم نكن نشغل الماء الساخن إلا في الشتاء، ومن ثم عرضت علي أن تحضر لي بعض الماء الساخن من الغلاية. لم تسألني من أين جاء هذا الدنس، كان كل ما تتمناه هو التخلص من الدليل وتجنيبي المتاعب. •••
Bilinmeyen sayfa