Mahasin ve Mesaviler
المحاسن والمساوئ
وعن المبرد قال: حدثني من اعتمد عليه أن مسلم بن الوليد كان يمدح من دون الخليفة وكان يقول: إن نفسي تذوب حسرات من أنه يحوي خزائن الخلفاء من لا يقاربني في أدب ولا يوازيني في نسب ولا يصلح أن يكون شعره خادمًا لشعري. وكان إذا كسب جمع أصحابه فلم يخرج من منزله حتى يأتي على جميع ما معه، فلا يزال في أكل وشرب وقصف حتى يفنى ما معه، فعرف بذلك، وكانت البرامكة ويزيد بن مزيد الشيباني ومحمد بن منصور بن زياد يبرونه ويعطفون عليه ويتفقدون من حاله. فخرج ذات يوم فلقي يزيد بن منصور الحميري بباب الرشيد فسلم عليه فرد ﵇ ورحب به وسأله عن شأنه فخبره وسأله أن يقربه من الخليفة وأن يحتال حتى يعد في ممازحته ومن يجري عليه أرزاقه. فقال له الحميري: سأتأتّى لوصولك إلى أمير المؤمنين. فدخل الحميري فأصاب أمير المؤمنين لقس النفس قد اشتمل عليه الفكر في سرعة تقضي أمور الدنيا وأنه لا يتشبث منها بشيء إلا كان كالظل الزائل والسراب الخادع. فقال له جعفر بن يحيى: يا أمير المؤمنين أفتظن أن هذا الفكر يحبس عليك الأيام ويمنعك مما لا تستمتع به؟ إنما هذا الذي أنت فيه عارض عرض لك، وقد كان ملك من الملوك يقال له بهمان وكان من أجلّ ملوك العجم وكان حكيمًا يقول: الهم مفسدة للنفس ومضلة للفهم ومشدهة للقلب، ومن أعظم الخطإ التشاغل بما لا يمكن دفعه، وقد قالت الحكماء: بالسرور يطيب العيش ومع الهم يتمنى الموت. وقال له سليمان بن أبي جعفر: يا أمير المؤمنين يروى عن لقمان الحكيم أنه قال: من يملك يستأثر، ومن لا يستشر يندم، والهم نصف الهرم، والفقر الموت الأكبر. قال: فكأن الرشيد نشط واندفع عنه ما كان اعتراه من ذلك الفكر. فتقدم إليه الحميري وقال: يا أمير المؤمنين خلّفت بالباب آنفًا رجلًا من أخوالك الأنصار متقدمًا في شعره وأدبه وظرفه، أنشدني قصيدة يذكر فيها أنسه ولهوه ولعبه ومحادثته إخوانه ويذكر مجالس اتصلت له بأبلغ قول وأحسن وصف وأقرب رصف، يبعث والله على الصبابة والفرح ويباعد عن الهم والترح، وكأنه قد وفق بيمن أمير المؤمنين وسعادة جده لأن يكون مبرئًا من هذه الشكوى زائدًا في سرور أمير المؤمنين مستدعيًا له صلة رحمه والتشرف بخدمته. قال: فاستفزه السرور والقلق إلى دخوله عليه واستماع قصيدته وجعل يتابع الرسل بعضهم في إثر بعض حتى دخل. وكان حلو الشمائل، فوصل إليه في وقت قد كان خرج فيه من رسم الشباب وشرته ولم يكن في عداد من قد اضطرب سنًا، وكان ناهيك من رجل معه فهم وتجربة وتمييز ومعرف، فأمهل حتى سكن ثم أذن له في الجلوس والانبساط واستدعى منه أن يزيد في الأنس، فانبرى مسلم ينشد قصيدته، فجعل الرشيد يتطاول لها ويستحسن ما حكاه من وصف شراب ولهو ودماثة وغزل وسهولة ألفاظ، فأمر له بمال وأمر أن يتخذ له مجلس يتحول إليه، وجعل الرشيد وأصحابه يتناشدون قصيدته، فسماه يومئذ بآخر بيت من قصيدته صريع الغواني، والرشيد الذي سماه بهذا الاسم، والقصيدة هي هذه:
أديرا علي الكأس لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي
فما جزعي أني أموت صبابةً ... ولكن على من لا يحل لها قتلي
أُحب التي صدّت وقالت لتربها: ... دعيه الثريا منه أقرب من وصلي
بلى ربما وكلت عيني بنظرةٍ ... إليها تزيد القلب خبلًا على خبل
كتمت تباريح الصبابة عاذلي ... فلم يدر ما بي واسترحت من العذل
ومانحةٍ شّرابها الملك قهوةٍ ... يهودية الأصهار مسلمة البعل
ربيبة شمس لم تُهجن عروقها ... بنارٍ ولم يجمع لها سعف النخل
بعثنا لها منا خطيبًا لبضعها ... فجاء بها يمشي العرضنة في مهل
قد استودعت دنًا لها فهو قائمٌ ... بها شفقًا بين الكروم على رجل
فوافى بها عذراء خلٌ أخو ندىً ... جزيل العطايا غير نكسٍ ولا وغل
معتقةٍ لا تشتكي دم عاصرٍ ... حروريةً في جوفها دمها يغلي
أغارت على كف المدير بكونها ... فصارت له منها أنامل كالذبل
1 / 113