Macarij Amal
معارج الآمال لنور الدين السالمي- حسب الكتب
وقيل: إن اليهود كانوا يأنسون بموافقة الرسول لهم في القبلة، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقا لهم بالكلية.
فلما تحول عن تلك القبلة استوحشوا من ذلك واغتموا وقالوا: قد عاد إلى طريقة آبائه واشتاق إلى دينهم، ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة.
وقيل: قال المشركون: رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها، والله ليرجعن إلى دينكم، والله أعلم.
التنبيه الرابع: في الحكمة في اختيار الكعبة قبلة لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته
وفي ذلك وجود من الحكمة:
أحدها: أنه رسخ في أذهان العرب أن هذه الجهات أشرف من غيرها بسبب أن هذا البيت بناه الخليل وعظمه، فكان استقباله أشد تعظيما وخشوعا /303/ وذلك مصلحة مطلوبة.
وأيضا: فلما كان بناء هذا البيت سببا لظهور دولة العرب كانت رغبتهم في تعظيمه أشد.
وثانيها: ما قيل: إن اليهود كانوا يعيرون المسلمين عند استقبال بيت المقدس، ويقولون: لولا أنا أرشدناكم إلى القبلة لما كنتم تعرفون القبلة، فصار ذلك سببا لتشويش الخواطر، وذلك مخل بالخضوع والخشوع، فهذا يناسب الصرف عن تلك القبلة.
وثالثها: أن الكعبة منشأ محمد - صلى الله عليه وسلم - فتعظيم الكعبة يقتضي تعظيم محمد - عليه الصلاة والسلام - وذلك أمر مطلوب؛ لأنه متى رسخ في قلوبهم تعظيمه كان قبولهم لأوامره ونواهيه في الدين والشريعة أسرع وأسهل، والمفضي إلى المطلوب مطلوب فكان تحويل القبلة مناسبا.
ورابعها: تمييزهم عن المشركين حين كانوا بمكة فأمرهم الله تعالى أن يتوجهوا إلى بيت المقدس، فلما هاجروا إلى المدينة وبها اليهود أمروا بالتوجه إلى الكعبة ليتميزوا عن اليهود.
Sayfa 255