أوردت هذا الاستشهاد الطويل لأعطي فكرة عن عقلية بعض المشايخ في تلك الحقبة، وكذلك عن لهجة المناقشات المسلية. لكنه يتابع:
لا أدري كيف تدبرت أمري لأنتقل من السياسة إلى الأخلاق. كان الأمر أنني وقد اتخذت من تحليل طبائعنا السياسية حجة، فقد أعلنت أن قاعدة سلوكنا الراهنة هي النفاق، وقدمت وصفا عنيفا ودقيقا على قدر الإمكان للإنسان المنافق.
كنت أعرف احتدام غضبه وعنف أقواله، وأحاول أن أخفف قليلا من حدتها؛ فيبدو مفعما بالإرادة الطيبة: «سأطيعك، وسأكون نزيها في مقالاتي، ولن أسبب لك العذاب يا ملاكي، اطمئني، وما دمت إلى جانبي، فلن أغدو شريرا، لكني سأكون مجادلا عنيفا في المساجلات.»
وهكذا! لقد كان أساسا على حق. فمصر تقلقه:
يريد الشعب أن يشغل نفسه بشيء ما، وهو لم يعد يستطيع مطلقا أن ينشغل بالسياسة، لحسن الحظ على كل حال. إذن فهو يتسلى، وهو يتسلى بأكثر الطرق انحطاطا ... إن قلبي ينقبض عندما أرى الشباب ينغمر في النوادي الليلية القذرة؛ فكل هاتيك النساء فيما أظن مرضى.
ولقد بقي زمنا طويلا مهموما من رؤيته الشباب بلا دليل ولا قواعد ولا هدف جاد. •••
جاء أخوه توفيق إلى القاهرة، وصحبه إلى السوق لشراء بعض الحاجيات. ويتهم طه نفسه؛ فقد اشترى حذاء من الكتان الأبيض كان قد أعجبه. لكنه يقول: «على الرغم من عدم غلائه، فإنني نادم على كل حال على شرائه؛ إذ لست غنيا كما أني لست بحاجة إلى حذاء.»
لا، لم يكن غنيا، وهو يكتب في الثاني عشر من الشهر (!):
بقي معي ثلاثة جنيهات حتى آخر الشهر، ليس ذلك بالمبلغ الكبير، لكني أذهب للأسف إلى المقهى وأصرف - لا أصرف كثيرا بالطبع وإنما ثمن كأس من عصير الليمون أو فنجان من القهوة - لكني لست وحيدا، ورفاقي - وهذا هو الغريب - يظنونني غنيا، وغالبا ما أقوم أنا بالدفع عنهم. على أنني أخفف من مصاريفي فلا تقلقي، وسأقلل من ذهابي إلى المقهى. نسيت أن أقول لك إنني صرفت جنيهين ونصفا من أجل حفلة الشيخ محمد عبده؛ فقد دفع كل واحد من الباشوات والبكوات والمشايخ
72
Bilinmeyen sayfa