وعلى الرغم من الرعاية اللطيفة التي كان يحاط بها، فقد كان مثقلا بالحزن والوحدة - ويطلبون إليه كتابة أربعة مقالات في الأسبوع، لكنه يكتب لي ...
19 يونيو
ما أغرب الأمر! كنت أظن أنني سأتعزى في غيابك بإنتاج غزير؛ ولكني لا أنتج شيئا. أوحي لي يا ملهمتي، قولي لي إنه يجب أن أكتب الكتاب الشهير، وأن أتم ترجمتي، وأن أعمل في «كتاب السيد رينار» وأن أكتب المقالات. كل ذلك ضروري. لكني بدون تشجيعك لن أحقق منه شيئا ... رحلت فلحق بك ذكائي، كل قلبي، كل نفسي، كل شيء في هذه الرسالة ... ماذا أقول؟! أولم تحملي كل ذلك معك؟!
وبعد عدة أيام يصطدم بخزانة، لكنه كان يميل إلى الدعابة:
ضيعت وقتك وأنت تشرحين لي تنظيم خزانتك. وكنت أصغي إليك بأذن شاردة، وتركت لك يدي دون أن أشعر على وجه اليقين ما كنت تجعلينني أمسه - فقد كانت المناشف والملاحف والمماسح دوما سرا في نظري - وأمس، كنت أريد منشفة، فأرسل الباب شيئا من الأنين بحيث يحسب المرء أن المنشفة كانت تصرخ بي: لا تمسني ... كان ذلك جنونا!
ويقص علي كذلك، بالطريقة الغريبة نفسها، قصة شهادة ميلاده العجيبة؛ فهو مسجل في هذه الوثيقة على أنه طاهر حسين بدلا من طه حسين، وكان لا بد لتصحيح الاسم من الحصول على حكم قضائي يسمح بذلك. وهكذا يذهب إلى المحكمة الشرعية، ويستنفر قاضيا وشاهدين (يزيد راتب كل منهما على عشرة جنيهات كما ينص القانون!) وكاتب المحكمة «وشكليات شرعية، كل ذلك تم بسرعة بفضل أخي الشيخ أحمد الذي كان يتصدر قاعة المحكمة باستعلاء.»
كان الجو شديد الحرارة، وكان طه لا يكاد ينام أو لم يكن ينام على الإطلاق. وكان أحمد - السفرجي - يتمدد لكي يحصل على شيء من البرودة، على النافذة، ملفوفا بالغطاء. وذات ليلة يتدحرج أحمد من النافذة على أرض الغرفة محدثا ضجيجا، وتنطلق ضحكة مطمئنة.
ويطلب منه مجهول أن يراه، وينتهي بأن يستسلم لطلبه. كان رجلا قد فقد ابنه لتوه، ولم يكن لديه من المال ما يستطيع به أن يدفع للطبيب أجرته، كما أنه لا يملك مليما من أجل دفنه. وكان الوقت آخر الشهر، ولم يكن مع طه سوى جنيهين، فأعطاه واحدا منهما. ثم نعلم فيما بعد أنه لم يكن فيما زعمه هذا الرجل ظل من الحقيقة!
رسائلي لا تصل
كنت على ثقة من أنني سأتلقى رسالة منك اليوم، إلا أن صندوق البريد كان فارغا، فاستعدت المفتاح من أحمد بدون أية كلمة، معقود اللسان؛ لا بد لي أن أغرق حزني في قلبي، ولا بد لي من أن أصطنع لنفسي ملامح وجهي ... فالرسائل لا تصل بفضل هذين الأبلهين: الزمان والمكان - إذ لولا وجودهما لما كنا منفصلين - وأتخيل حياة لا زمان فيها ولا مكان. وعندما يستدعيني الواقع أبقى لحظة خائفا من كل شيء، وإذ ذاك ألجأ للسيجارة. لا نعد إلى ذلك أبدا؛ فأنا غير قادر عليه.
Bilinmeyen sayfa