وضرب صاحب القداح قداحه، ليختار كبير الآلهة هبل من بينهم من ينحره أبوه فخرج القدح على عبد الله، وكان أصغر أبناء عبد المطلب وأحبهم إليه، واقتاد عبد المطلب ابنه الذي اختاره الإله لينحره بين صنمي إساف ونائلة، فبكت بنات عبد المطلب وتعلقن بأخيهن، وقامت قريش كلها تطلب إلى عبد المطلب ألا يفعل، وهنا سأل عبد المطلب ما عساه يفعل ليرضي الإله. قال ابن الأثير: «فقال له المغيرة المخزومي: لا تذبحه حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه، وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل وانطلق إلى كاهنة بالحجر فسلها، فإن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بمالك وله فيه خراج قبلته، وانطلقوا إليها وهي بخيبر، فقص عليها عبد المطلب خبره، فقالت: ارجعوا اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله، فرجعوا عنها ثم غدوا عليها، فقالت: نعم، قد جاءني الخبر، فكم الدية فيكم؟ قالوا: عشرة من الإبل، قالت: ارجعوا إلى بلادكم، وقربوا عشرا من الإبل، واضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا عشرا حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم، فخرجوا حتى أتوا مكة، فلما أجمعوا لذلك قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل، فخرجت القداح على عبد الله، فما برحوا يزيدون عشرا وتخرج القداح على عبد الله، حتى بلغت الإبل مائة، ثم ضربوا فخرجت القداح على الإبل، فقال من حضر: قد رضي ربك، وقال عبد المطلب لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا ثلاثا فخرجت القداح على الإبل فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع.»
تلك هي قصة الفداء ذكرتها كل كتب السيرة، ولكنها لم تبين لنا إن كان عبد المطلب قد دفع الإبل المائة من ماله أم ساهمت في دفعها مكة، على أن الذي تجمع عليه هذه الكتب: أن مكانة عبد الله ارتفعت في مكة بعد هذا الفداء، وكان عبد الله وسيما جميل الطلعة، قد ناهز الرابعة والعشرين من عمره، فتطلعت فتيات مكة إلى الزواج منه، فرأى عبد المطلب أن يزوجه من آمنة بنت وهب سيد بني زهرة، وفي الوقت نفسه خطب عبد المطلب لنفسه ابنة عمها هالة التي أنجبت له ولده حمزة عم النبي وتربه.
وكانت السنة التالية لزواج عبد الله مليئة بالحوادث الجسام، التي أهمها محاولة أبرهة الأشرم غزو مكة، وقد روينا بعض أخبار هذه المحاولة عند الكلام على تاريخ الحبشة في اليمن في فقرة [محاولة أبرهة غزو الكعبة] من هذا الكتاب، ولكنا سنعود إليها لنبين أثر فشل هذه الحملة في مكة أيام عبد المطلب، وقبل الكلام على ذلك نرى أن نشرح نظام الحكم في الجمهورية المكية في عصر عبد المطلب الذي لا يقل ازدهارا عن عصري كل من هاشم وقصي. (16) نظام الحكم في الجمهورية المكية
كان عبد المطلب زعيم مكة التي يصفها الأستاذ درمنجهم بأنها كانت جمهورية تجارية بلوتقراطية، والمقصود من كلمة بلوتقراطية: أنها حكومة الأغنياء، وكان يشرف عليها الأعضاء البارون من بني قصي، وعندما كشف عبد المطلب بئر زمزم، واستقر النزاع بخصوص الهيمنة على هذه البئر، أصبح الإشراف على الحكومة المكية بيد عشرة من الأشراف، وزعت بينهم مناصب الدولة، وكانت هذه المناصب وراثية في أكبر أفراد البيت، وهذه المناصب هي: (1)
الحجابة أو السدانة، والمقصود بها حراسة مفاتيح الكعبة، وكانت وظيفة دينية هامة، وضعت في يد بني عبد الدار، ولما أسلمت مكة بعد الفتح ظلت السدانة في يد عثمان بن طلحة من بني عبد الدار. (2)
السقاية، ويقصد بها الإشراف على بئر زمزم المقدسة، وسقاية الحجاج، وهذه وضعت في بيت هاشم، وكانت في يد العباس بن عبد المطلب في وقت فتح مكة. (3)
الديات وتسمى الأشناق، وهي من الوظائف الهامة، وكان صاحبها إذا احتمل شيئا فسأل فيه قريشا صدقوه، وكانت الديات في يد بني تيم بن مرة، وعند ظهور النبي كان يقوم عليها عبد الله بن أبي قحافة «أبو بكر». (4)
السفارة، وكان صاحبها ذا حق مطلق في البت في شئون الصلح، بعد الحرب أو الخلافات التي تقوم بين قريش والقبائل الأخرى، أو بينهم وبين الأجانب، وكان يقوم على هذا المنصب عمر بن الخطاب. (5)
اللواء، وكان صاحبه يعتبر كبير القواد، ويسير أمام الركب في أسفارهم للقتال أو التجارة، وكان اللواء في بني أمية وصاحبه منهم في أول الإسلام أبو سفيان بن حرب والد معاوية. (6)
الرفادة، وهي الإشراف على الضريبة التي تخصص لإطعام الفقراء، وكانت قريش تخرج في كل موسم إلى صاحب الرفادة فيصنع منه طعاما لفقراء الحجاج مقيمين أو مسافرين؛ لأن الدولة كانت تعتبرهم ضيف الله، وكانت الرفادة لعبد المطلب، ثم نقلت إلى أبي طالب، ونقلت بعد ذلك إلى بني نوفل بن عبد مناف، وفي عهد الرسول كان القائم عليها الحارث بن عمرو. (7)
Bilinmeyen sayfa