وتقول سهير القلماوي: «في كل درس لطه حسين كنا نجد شيئين: أفقا متفتحا في الموضوع يغري بشكل عجيب بالاستمرار في البحث والدرس، أفقا يتفتح ويمزج بين أطراف الموضوع وما يمكن أن يتصل به من موضوعات في قدرة عجيبة خالقة تجعل من الحياة كلا متكاملا لا مجال فيها لشيء وحده أو لفكرة منفصلة عن غيرها، فكان هذا يشعرنا بما يشعر به الإنسان أمام الأثر الفني الرائع الكامل المنسجم. وأما الشيء الثاني فهو الفكرة اللماحة المضيئة التي تضيء هذا الأثر الفني المتكامل بضوء ساحر فريد، لا بد من فكرة بل أفكار جديدة لها طلاوتها وحلاوتها، ولا بد من أفق رحب تجول فيه هذه الأفكار يتسع ويتسع حتى يشمل الحياة كلها.»
وطلاب طه حسين لا يقتصرون الآن على الشباب المصريين، إن الشباب من مشرق العالم العربي ومغربه يتوافد على كلية الآداب، يقول الأستاذ شكري فيصل: «كنا طائفة من تلامذته وطلابه الكثيرين من بلاد الشام في سوريا ولبنان، نتابع محاضراته التي يلقيها في الجامعة وغيرها، طلابا في كلية الآداب نتتلمذ عليه، ودارسين نلاحق محاضراته ... ولا ريب أن زمنا طويلا سيمضي قبل أن يستنفد الباحثون العرب مناحي البحث التي فتح الدكتور طه أبوابها أو مد آفاقها أو دعا إليها.»
ويهتف الأستاذ زكي المجاسني، من أدباء دمشق، يقول في مقال له: «سمعته! هذه العذوبة في صوته ... لقد سمعت طه حسين بعد أن عرفت أدبه، فوجدته خالدا بصوته كخلوده بأدبه.»
والطالب العراقي «مشكور الأسدي» أعلنه مسجل الكلية بأنه سيمتحن شفويا في يوم حدده له وقال له: «تعال بكرة بدري»، ولم يفهم الطالب العراقي كلمة «بدري» هذه وأقبل في الضحى وقد عقد الامتحان فحيل بينه وبين دخوله، والطالب العراقي يسأل طه حسين هل يحرم من الدراسة على يديه وقد جاء من العراق لهذا الغرض لأنه لم يفهم كلمة «بدري» هذه ، فيأمر طه حسين بأن يدخل الطالب امتحانا آخر وينصح باستعمال الفصحى! ويقول مشكور الأسدي إنه لم ينس كلمة «بدري» هذه أبدا، وكلما مر به رجل اسمه «بدري» أو اسمه «شمس» تذكر هذه الواقعة وتذكر بالإجلال والإكبار أستاذه طه حسين. •••
يجري عدلي باشا يكن الانتخابات وينجح الوفد في آخر ديسمبر، فيدعى مصطفى النحاس باشا لتأليف الوزارة في أول يوم من عام 1930.
ولكن وزارة النحاس تدخل في مفاوضات مع الإنجليز لا تنجح، وإذ تفشل المفاوضات تسقط الوزارة في 17 يونيه من نفس العام.
وفي منتصف يونيه 1930 يدعى إسماعيل صدقي باشا لتأليف وزارة جديدة، فيحتفظ لنفسه إلى جانب رياسة الوزارة، بمنصب وزير الداخلية وبمنصب وزير المالية، ويسأل طه حسين نفسه عندما يقرأ احتفاظ صدقي باشا بهاتين الوزارتين: «هل يفكر صدقي باشا إذن أن يحكم البلاد بسيف المعز وذهبه؟ إن صدقي باشا لا يريد أن يكرر خطأ محمد باشا محمود، فهو لن يلغي الحياة النيابية، ولن يعلن للعالم الخارجي أن مصر تحكم ديكتاتوريا، إنه سيدعو إلى إجراء انتخابات، وسيعمل مع برلمان منتخب، وستكون للحزب جريدة ناطقة باسمه، ولكن ذلك كله سيبنى على أساس إلغاء دستور البلاد وإصدار دستور جديد يفرض عليها فرضا.»
طه حسين يتحدث مع عبد العزيز فهمي باشا، فيجده شديد الغضب لهذا العدوان على الدستور، وطه يذكره بأنه وصف دستور 1923 بأنه ثوب فضفاض، ويقول له: «إن دستور 1923 لم يكن ثوبا فضفاضا، فلو أن الشعب تعلم فتمكن بذلك من إصلاح طعامه وصحته، إذن لملأ هذا الثوب الفضفاض وسار فيه راسخ الخطوة قويا لا يجرؤ أحد أن يسلبه إياه.»
وعبد العزيز فهمي باشا يقول: «ليس إلى شيء من ذلك قصدت عندما كنت ألاحظ ما لاحظت على تطبيق الدستور، إنك لتعلم أنني قد ساهمت في وضعه وكافحت لكيلا ينقص منه شيء، وسيقف الأحرار الدستوريون إلى جانب الوفد المصري مناهضين للحكم المطلق الذي يريد الإنجليز وتريد السراي ويريد صدقي باشا أن يفرضوه على مصر باسم الدستور الجديد.»
وتتم فعلا مقاطعة الوفد والأحرار الدستوريين للانتخابات، وتمتلئ كراسي مجلس النواب الجديدة بمن اختارهم وزير الداخلية، فدخلوا الانتخابات لا ينافسهم فيها أحد.
Bilinmeyen sayfa