إلي أن يفرغ عليهما فيغسلهما كما جاء في الحديث (^١). قاله الحطاب. وأما في بقية الوضوء فاختار مالك أن يدخل يديه في الإناء جميعا، فيغرف بهما جميعا لوجهه ثم لسائر أعضائه، وظاهر قول ابن القاسم أنه يدخل يده الواحدة فيغرف بها على الثانية فيغسل بها وجهه، ثم يفعل كذلك في سائر أعضاته، وهو أحسن من قول مالك؛ لأنه أمكن له من أن يغرف بيديه جميعا، ولعل الإناء يضيق عن ذلك، وإنما يغرف بيديه جميعا في الغسل لقوله -صلى الله تعالى عليه وسلم- (ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه (^٢». والله أعلم. قاله ابن رشد. قاله الحطاب. وقد صرح الأئمة بأن غسلهما مفترقتين مبني على قول ابن القاسم، فيكون ابن القاسم ناقض أصله، وأجاب ابن مرزوق بأن غسلهما مجتمعتين لا ينافي التعبد، وهو ظاهر، وأما غسلهما مفترقتين فإنه يناسب التعبد، ولكن ليس قولا لأشهب، إنما هو روايته عن مالك كما مر قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي الحطاب حكاية ومَوْعِظَةٌ: ذكر أن بعض المتعبدين لما سمع قوله ﷺ: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه فإنه لا يدري أين باتت يده (^٣»، قال كالمستهزئ: أنا أدري أين باتت يدي، كانت على الفراش، فأصبح يده في دبره إلى ذراعه. ذكر ذلك ابن المفضل في شرح مسلم. انتهى. وَمَضْمَضَةٌ يعني أن السنة الثانية من سنن الوضوء المضمضة: وهي مركبة من ثلاثة أشياء: إدخال الماء فاه، وخضخضته، ومجه، وأصلها في اللغة التحريك والتردد، ومنه قولهم مضمض النعاس في عينيه إذا تردد فيهما، ومضمض الماء في الإناء إذا حركه، قال الشاعر:
وصاحب نبهته لينهضا … إذا الكرى في عينه تمضمضا
فقام عجلان وما تأرضا … يمسح بالكفين وجها أبيضا
(^١) البخاري، كتاب الوضوء، رقم الحديث: ١٦٤.
(^٢) الموطأ، كتاب الطهارة، رقم الحديث: ١٠٠. ولفظه: كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه ثم يفيض الماء على جلده كله.
(^٣) البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، رقم الحديث: ١٦٢.- مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، رقم الحديث: ٢٨٧.