قرأت في العدد الأخير من المجلة الإنجليزية «القرن التاسع عشر وما بعده» مقالا هو الذي انبثقت منه فكرة هذا المقال الذي أكتبه، إذ قرأت تحت عنوان «حالة الجمعيات العلمية» (في إنجلترا) ما يشبه البكاء على تدهور الجمعيات العلمية هناك بسبب قلة الإعانة المالية التي تقدمها حكومتهم إليها. ويقول كاتب المقال متجها بقوله إلى رجال الحكومة: إننا في أثناء الحرب الأخيرة قد حرمنا كثيرا من ألوان التسلية واللهو، حتى يتوافر مجهودنا كله للقتال، ومع ذلك لم نجرؤ على تحريم سباق الخيل، وكانت حجة الحكومة عندئذ هي أن إغلاق حلبات السباق يؤدي إلى تعريض تربية الجياد الكريمة لخطر جسيم، ولما كانت الحكومة حريصة على اتصال سلسلة الجياد الكريمة حتى لا ينقطع حبلها، فقد أبقت على الدافع الأول إلى تربيتها والعناية بها، ألا وهو السباق وحلبته. وبعد هذا التشبيه ينتقل الكاتب إلى حالة الجمعيات العلمية عندهم، فيقول: أليست تحرص الحكومة على اتصال سلسلة رجال الفكر كما كانت تحرص على الجياد الأصيلة؟ إنها لا بد حريصة على ذلك أشد الحرص، وإذا فلا مناص من صيانة الحلبة التي يؤدي وجودها إلى وجود رجال الفكر، ويؤدي انعدامها أو ضعفها إلى انعدامهم أو ضعفهم، وما تلك الحلبة سوى الجمعيات العلمية بما لها من مكتبات ومجلات وغيرها.
ويقول كاتب ذلك المقال أيضا: إن هنالك المجامع العلمية الرسمية، مثل «المجمع الملكي» للعلوم الطبيعية والرياضية، و«المجمع العلمي البريطاني» للتاريخ والأدب والفلسفة والآثار، هذه المجامع العلمية الرسمية تحظى برعاية الحكومة على الوجه الأكمل، لكن كيف السبيل إلى إمداد تلك المجامع بقادة الفكر إن لم يكن لدينا «جمعيات» تكون بمثابة صفوف الشعب التي تخرج منها هؤلاء القادة؟ هل تستطيع أن تظفر بالقادة دون أن يكون لديك المجال الذي يتخرجون فيه ويتمرسون في ميدانه؟ فلا مناص لنا - إذا - من رعاية الجمعيات العلمية والأدبية حتى تخرج لنا فيما بعد قادة المجامع.
وإن صح هذا القول مرة واحدة في إنجلترا، فهو صحيح ألف مرة بالنسبة لنا في مصر وسائر بلدان الشرق العربي، ونحن ننظر إلى مجلاتنا العلمية والأدبية نظرتنا إلى «الجمعيات العلمية» التي وردت في المقال الذي أشرنا إليه.
انظر إلى «المجمع اللغوي» عندنا - مثلا - هو يضم فريقا من القادة، تجد أعضاءه جميعا قد بلغوا ما بلغوه بفضل المجلات والصحف التي هيأت لهم سبيل الكتابة في شبابهم وكهولتهم على السواء، ولك أن تسأل بعد ذلك: ما مصير كتابنا الناشئين الذين يحملون بذور التفكير والكتابة، إذا لم يجدوا أمامهم المجلات القوية التي تعينهم وتشجعهم على الكتابة والتفكير؟ أليس واجبا محتوما على القائمين بالأمر أن يتعهدوا هذا المصدر حتى يضمنوا لحياتنا العلمية استمرارا وازديادا في القوة والنماء؟ أم تراهم يحسبون أن الزمان قد وقفت دورته، وأن الحاضر هو الزمان كله من أزله إلى أبده؟
إن الصراحة هنا واجبة لأن الأمر في رأينا خطير غاية الخطر، فإذا استثنيت المجلات التي تصدرها دور النشر الكبرى صاحبة رءوس الأموال الضخمة، وجدت سائر مجلاتنا الأدبية المحترمة في طريقها إلى الانهيار والزوال، وما قيامها إلا تضحية كبرى من أصحابها، أين المجلات التي شهدها شباب الجيل الماضي - والتي كانت ميدان قاد الفكر عندنا اليوم - السياسة الأسبوعية والبلاغ الأسبوعي والرسالة في عنفوانها والثقافة في إبانها ؟ بل أين المجلة القوية التي لم تشهد النور إلا حقبة قصيرة؛ مجلة الكاتب المصري؟ زالت كلها أو هي كالزائلة؛ لأن الحكومة لا تعينها بالقدر الذي يمكنها من البقاء، ولا يكفي من الحكومة أن تعين بشراء بضع مئين من أعدادها، بل لا بد هنا من السخاء في العطاء؛ لأن المسألة متعلقة ببنائنا الفكري من أساسه.
لا ينبغي لوزارة التربية والتعليم أن تترك المجلات العلمية لعوامل العرض والطلب في السوق، وإلا فلن يكون هناك مجلة علمية واحدة؛ لسبب بسيط، وهو أن السوق تتطلب مادة سهلة للتسلية، والمجلات التي في مقدورها اليوم أن تعيش عيش الرغد والرواج هي التي تغذي ذلك الاتجاه في السوق، غير آبهة بمثل أعلى لا بد من فرضه على جمهور القراء، فليس من الحكمة في شيء أن تتركوا أصحاب الفكر لأبناء الشارع يسيرونهم كيف شاءوا، كما تتركون بائعي الصابون لعوامل العرض والطلب في سوق البيع والشراء.
جناية الأدباء
كانت أمسيات الصيف كثيرا ما تثقل على كاهلي، فلا أدري كيف أخلص من ساعاتها الطويلة المديدة التي تسبق النوم؛ لذلك كنت أطيل التردد على السينما في دورها الصيفية المكشوفة، حيث «أقتل» قتلا من مسائي ثلاث ساعات أو أربعا، ألهو فيها عن نفسي بما أرى على الشاشة، وكان معظم الأفلام التي عرضت في تلك الدور المكشوفة التي قصدت إليها وقصد إليها ألوف كثيرة جدا ممن هجروا ديارهم فرارا من حرارة الصيف، كان معظم هذه الأفلام عربي التأليف والتمثيل.
وإني لأشهد الله أني ما عدت من هذه الأفلام العربية ليلة، إلا ضيق النفس بما قد رأيت، آسفا لهذه الهاوية التي نعيش في ظلماتها فنا وذوقا وتمثيلا وإخراجا، ثائرا على أدبائنا الذين غضوا أنظارهم عن هذه الصفحة البيضاء التي فتحت لهم صدرها رحبا ليملئوها بنتاج أقلامهم؛ غضوا عنها أنظارهم، فانتهبها أصحاب الأذواق الفجة السقيمة، التي لا تميز بين طيب وخبيث، أستغفر الله، بل لعلها تميز بين الطيب والخبيث تمييزا تستطيع به أن تمحو الطيب كله وأن تثبت الخبيث كله.
ولست أقصد بالخبيث هنا خبيث الأخلاق كما قد تراءى لكثيرين ممن تعرضوا لنقد أفلامنا العربية؛ لأني رجل لا أبالي في الإنتاج الفني بالأخلاق طيبها وخبيثها على السواء، بل لا أكاد أفهم اللغة التي يتحدث بها الذين ينقدون الفنون على أساس الأخلاق، ماذا عساهم يريدون بالخير الأخلاقي أو الشر الأخلاقي، حين يقولون في نقدهم لإنتاج فني إنه خير أو إنه شر؟ إن الكاتب الذي يصور ملاكا رحيما تصويرا بارعا كالكاتب الذي يصور شيطانا رجيما تصويرا بارعا ... أم تراهم يقصدون بكلامهم عن الخير والشر في الإنتاج الفني، ما يبثه هذا الإنتاج في نفوس الناس من تعاليم؟ فالأدب الخير عندهم هو ما علم الناس أخلاقا تواضعنا على اعتبارها رفيعة سامية، والأدب الخبيث عندهم هو ما علم الناس اخلاقا اتفقنا على اعتبارها خسيسة دنيئة؟ لو كان هذا ما يقصدون إليه بنقدهم؛ إذن فالطامة أكبر، وفهمهم للأدب أبعد جدا من الفهم الصحيح؛ لأن الأدب الذي يعلم الناس شيئا ليس من الأدب في كثير، وربما كان من الأدب في قليل ضئيل، فلم يخلق الله الأديب - أو رجل الفن بصفة عامة - أديبا أو فنانا ليقف من الناس معلما وواعظا، بل خلقه أديبا أو فنانا ليحاكي الطبيعة في خلقها للكائنات، فيضيف إلى خلقها خلقا جديدا من نوع جديد ... لكني لا أريد استطرادا في هذا، فما أكتب الآن لأوضح رأيا في طبيعة الفن، بل أكتب في خاطرة كانت تتردد على رأسي كلما قصدت دارا من دور السينما التي تعرض أفلاما عربية.
Bilinmeyen sayfa