أينما كانت فالمراد أنهم لما سمعوا في خطبته ﷺ التي خطب بها الناس في حجة الوداع بيان وجوب الحج وكانوا قد قرأوا من قبل قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فترددوا في أن الوجوب هل هو في العمر مرة أو في كل عام فسألوا عن النبي ﷺ عنه فأجابهم بقوله لا ولو أجابهم بقوله نعم لوجب في كل عام ووجه الوجوب بقول ﷺ أنه سبحانه تعالى كان جعل (١) أمر الحج في تعيين مرات وجوبه في يده ووقفه على اختياره فما أوجبه وجب وقد يكون (٢) للعبد مع مولاه وللخادم مع مخدومه وللولد مع والده وللمحكوم مع حاكمه شأن وتقرب ينسب فيه كل ما يصدر من هذا القبيل إليه وللواجب سبحانه شئون فتارة يحكم بقهره فلا يمكن لأحد من الأنبياء المرسلين ولا الملائكة المقربين إلا الخوف والخشية وتارة هو في أردية لطفه ورحمته فلا أحد من الطاغي والعاصي إلا وهو يرجو من نواله فيمكن أن يكون للنبي ﷺ مثل ذلك فقال كنت حينئذ بحيث ما أوجبته وجب وما حرمته حرم فلو قلت نعم لوجب في كل عام والفرق بين الوجهين أن في الوجه الأول وكل إليه ﷺ تعيين مرات وجوب الحج فحسب بخلاف الثاني فإنه عام لكل
(١) هذا عند من لم يقل باجتهاده ﷺ، ولأهل الأصول في المسألة أربعة. أقوال نعم ولا والثالث كان له أن يجتهد في الحروب والآراء دون الأحكام والرابع الوقف كذا في ابن رسلان ووجهه شيخ مشايخنا الدهلوي نور الله مرقده في حجة الله بتوجيه لطيف فقال: سره أن الأمر الذي يعد لنزول وحي الله بتوقيت خاص هو إقبال القوم على ذلك وتلقى علومهم وهممهم له بالقبول وكون ذلك القدر هو الذي اشتهر بينهم وتداولوها ثم عزيمة النبي ﷺ وطلبه من الله فإذا اجتمعا لابد أن ينزل الوحي على حسبه، انتهى.
(٢) هذا هو الوجه الثاني الذي سيأتي الإشارة إليه في بيان الفرق بين الوجهين.